تأتي الصدمة كزلزال ينسف حياتك ثم يهمد لتنغرس قدماك في ما شقة في أرضك من جروح
أصحو مع أبي باكرا لأشاركة قهوتة الصباحية وأرافقة الى جلسات العلاج الكيميائي , أجلس أنا على مقعد القيادة ويجلس هو بجانبي يسرد لي بالتفصيل كل ما سمعة في نشرات الأخبار راحلا بعقلة بعيدا عما ينتظرة ,نصل الجلسة مصطحبين معنا صحيفتة وكتابي , يقفل هو عينية بينما أراقب أنا الممرضة وهي تغرس الابرة في يدة لتحقن جسدة بالسموم ونجلس اثنانا لنقرأ , نخفي وجهينا وراء الصفحات , نحاول أن نغض النظر عن الوجوة الذاوية الشاحبة المحيطة بنا , عن كل ما قد يذكرنا بالواقع الذي رسينا علية, يتعب من القراءة ويأخذ بعض الشجاعة ليراقب من حولة , أترك الكتاب لأقرأ وجهة , يحدثني عن أمالة وعيناة تفضحان رعبة , والرعب يصبح شيئ عادي , أنت تتعود علية , يوما فيوم تتعلم أن تعيش معة وتبستم لة , ورويدا رويدا أنت تدرك أن أقسى الاشياء واكثرها إيلاما تصبح جزءا من تفاصيل حياتك الصغيرة , من روتينك اليومي , تذهلني هذة الحقيقة
صباح الخير وانت الورد ألحانك , صباح الفل وانت الفل ريحانك , صباح النور وانت النور وجدانك صباح العز وانت العز مكانك , صباح العدل وانت العدل ميزانك و صباح الخير وانت الخير عنوانك
رسالة يبعثها لي طاقمي العمل وأنا في بيت أهلي , أعود للقاهرة ولعملي واليهم وأصبحهم بالخير
احاول التركيز في عملي وأفكاري مشرذمة الى ألف شظية , قبل يومين سمعت من مكتبي صراخ في مكتبهم, في البداية ظننتهم يضحكون لكن الصراخ تحول الى أصوات ارتطام , هرعت لأجد اثنين منهم متشابكين بالأيدي , صدمت اذ أحسست بأن كل ما بنيتة ينهار أمام عيني , أعترف أنني في الفترة الأخيرة منذ مرض أبي أو ربما الأسابيع التي سبقت ذلك تقوقعت على نفسي كثيرا وانعزلت عنهم , هم متفهمون ويحاولون بقدر الامكان عدم اشغالي بمشاكل العمل اليومية وحلها بأنفسهم , أحاول التحقيق فيما حصل وأقرأ ما وراء الكلام بأن الفريق مقسوم لحزبين , الجيل القديم والجيل الجديد الذي هو أحدث خبرة وسنا , وأنا منذ البداية كنت قد القيت على الفريق القديم المسؤولية الكاملة بتبني وتدريب أي موظف جديد ينضم الينا وباحساس أمومتي الساذج اليهم , مع قرب السن بيني وبينهم, أنا نفسي تعاملت معهم معاملة الاخوة الكبار والاخوة الصغار
جمعت الصغار لجلسة اعترافات ودهشت من مقدرة هذا البلد على استنساخ وتكرار نفسة في صور مصغرة ,اذ أكتشف أن الفريق القديم حول ما منحتة اياة من مسؤولية وصلاحيلات لسلطة وسطوة ,ومرر الارشادات كأوامر لا تعصى وتعامل مع مهمة التدريب باحساس بالتعالي , الى أن شحن الجميع بأحقاد دفينة انفجرت مرة واحدة
أحبطت وما زلت لا أدري كيف أتعامل مع هذة المشكلة , التي أراها شرخ كبير بثقتي بمن أعطيتة ثقة وبنفسي وبما حققتة أولا وأخيرا , ولو أنني أريد أن أصدق أن ما حصل من الفريق القديم لم يكن بسوء نية انما مجرد غباء اداري , لكن لم يعد أحد يستحمل أحدا في هذا البلد , مصر وأهل مصر في حالة غليان
يوميا أعود الى بيتي بعد يوم عمل مرهق ومشحون ,أحيانا يستقبلني عبدة البواب ليبلغني أن الحاجة أعدت لي الغذاء , الحاجة حياة هي صاحبة العمارة التي أسكن فيها , أرملة سبعينية يشع وجهها صفاء وحنان , توفي زوجها في حادث طرق على الطريق السريع ما بين النمسا وألمانيا , حدث ذلك قبل قرابة الأربعين عام في وقت كانت هي بانتظارة مع أطفالها الخمسة في بيتهم الصيفي في اينسبروك , تجلسني بجانبها لتحدثني عن مسيرة حياتها , عن بيت أبيها في العباسية , بيت من بيوت مصر بتوع زمان على قولها , وعن أصدقاء النادي وحبها لزوجها , ورحلاتها معة حول العالم وحجاتها السبعة ومكة والقدس , والجنية الذي فقد قيمتة وسعر الكرمب والعيش والفراخ وعن تعبها في تربية ابنائها
العمارة التي أسكنها والتي تجاورها حديقة جميلة غناء مزدهرة بأشجار الليمون والبرتقال والصبار ويحيطها سور حجري عالي, كانت في الاساس فيلاتها القديمة وبعد رحيل زوجها بنت فوقها لكل من أبنائها شقة لكن معظمهم أجروا شققهم بعد الزواج وانتقلوا للعيش في أحياء أخرى
أبناؤها جميعهم يشغلون وظائف عالية , لم تتحجب من بناتها سوى صغراهن التي عاشت لفترة في السعودية , ابنتها الكبرى عميدة كلية الاعلام في احدى الجامعات الحديثة في القاهرة , لكن في انشغالهم بأعمالهم وعائلاتهم ورغم زياراتهم المتكررة لها تعيش هي في وحدة في بيتها القديم بغرفة الكثيرة والكبيرة التي علقت على جدرانها تذكارات من رحلاتها مع زوجها , أشعر بوحدتها مع أنها لا تتذمر لكنها تشكو احيانا من زوجة ابنها اللي طفشت كل البوابين ودائما تنهي حديثها بأنها اكتفت بالسنين التي عاشتها مع زوجها وبما حققتة لأبنائها وأنها ليست بحاجة لشيئ لأن زوجها ترك لها كل ما تحتاجة وأنها زهدت بالحياة , أنت ابنتي السادسة تقول لي وأنا طالما أمر عليها لأتبارك بدعواتها الطيبة , وأول ما سمعت عن مرض أبي شعرت بحاجة شديدة لطرق باب بيتها واللجوء الى حضنها الرحب والخشوع لصلواتها
في شقتي القاهرية وحدتي هي صديقتي , في العتمة تسكنني في النور تسكنني , هي في كل مكان لي رفيقة , حتى في مجالسي مع أصدقائي أجدها هناك حاضرة متطفلة متغلغلة الى اللحظات الساكنة ما بين الأحاديث والضحكات , سارقة إياي اليها الى ذاك الركن الذي احتلتة في روحي
أحيانا كثيرة تأتي لزيارتي صديقتي اولجا الرومانية العاشقة لقهوتي الفلسطينية وأولجا طبيبة تعيش مع زوجها السوري في القاهرة منذ خمسة أعوام , في أحاديثنا دائما نستعيد تجربتنا المشتركة كغرباء في هذا البلد , ونضحك من نفس السؤال الذي يسألنا إياة أصدقاؤنا المصريون , ماذا تجدون في القاهرة؟ ليلها وما يعطية لك من الأمان , ما نتفق علية نحن الاثنتان , فأنت في أي لحظة من الوحدة حتى لو كان ذلك في منتصف الليل , بامكانك أن تلقي بنفسك الى أحضان الشوارع وستضمك بحنان
ومع أنني مرات كثيرة أتوق لأن أكون مع نفسي وكتبي واسطواناتي الموسيقية , الا أنني منذ مرض أبي أجدني في وحدتي مستحوذة بالهواجس وقلقي على أبي يطغي على كل شيء, فأهرب منها الى شوارع القاهرة لتبتلع ضجيج هواجسي بصخب شوارعها , وللقاهرة القدرة على امتصاص أحزانك كما لها القدرة على أن تفجر فيك نهر أحزان , تبكيك وتضحك , تبهجك وتحزنك , تنتزعك من عزلتك لتلقيك في عزلة وسط الزحام
أهجر وحدتي رفيقتي بحثا عن أي شيء يلهيني , عن أي شيء أوقف بة مطرقة أفكاري , وللقاهرة الكثير ما تقدمة لي وهي تشهد مؤخرا حركة ثقافية وغزارة في الانتاج الأدبي أتمنى أن يكون هنالك من يستقبلة أو يستهلكة
,دخلت مدبولي فاستقبلني عمالها بترحاب وقفت مدهوشة بين أكوام الكتب القديمة والجديدة , أمسكت كتابا وتصفحتة توقف بجانبي رجل سوري وسألني ان كنت كاتبة روائية , ضحكت , لا أدري لماذا أوحيت لة بذلك , لكن أعجبتني الفكرة , فكرة أن أكتب كتاب كانت دائما تغريني
تحتفل دار الاوبرا المصرية هذا الشهر بعشرينيتها فتعرض كل ليلة احدى الروائع العالمية , أختار لنفسي عرض ذا لودر أوف ذا دانس الايرلندي وبالية دون كيشوت الكوبي
الشوارع تمشي ببطء وأنا على وشك ان أتأخر عن العرض , سائق التاكسي يشكو لي الزحمة وغلاء المعيشة ومن شريط الكاسيت تنعبث أصوات شاكية لمغنيين من كافة الأقطار العربية يبكون غزة وبغداد وبيروت ويستنتجون أننا نسينا أن العرب إخوان , من المحبذ أن ننسى , أفكر , مصابون بألف مصيبة فليلتفت كل منا الى مصائبة
كنت قد هاتفت الاستعلامات في دار الأوبرا وأخبروني أن التذاكر كلها نفذت ولكثرة الاقبال قرروا إقامة عرض إضافي , أدهشني ذلك لغلاء التذكرة , المهم أنني ذهبت للعرض الاضافي لأجد طابور لشباك التذاكر , تذكرت طابور العيش , استطعت الحصول على تذكرة بسعر معقول نسبيا في البلكونة الأخيرة , جلست في مقعدي وأنا أطل على القاعة الرئيسية وكانت مليئة الى أخر كرسي حتى أماكن الدرجة الأولى حيث التذكرة بألف جنية , فتذكرت رغيف الخمس قروش
من الصعب أن تثبت قدميك وأنت تشاهد سيد الرقص ولكن بعد أقل من ساعة توقفت الفرقة لتحيي الجمهور وأنا بسذاجة اعتقدت أنة وقت الاستراحة , لكني رأيت الجميع يغادرون مقاعدهم والقاعة , ماذا انتهى العرض؟؟ مشيت أنظر ورائي لأتأكد وقد شعرت بالاستفزاز لقصر الوقت مقارنة بغلاء التذكرة انما تناسيت ذلك وحاولت الاحتفاظ بايقاع الرقص وموسيقى الكمان , كطعم حلو أمسح بة مرارة الأسابيع الماضية
على مدخل كوبري قصر النيل تقف عروس بثوبها الأبيض لتتصورعند حافة أحد الأسود الحجرية , وعلى رصيفية اجتمع العشاق إثنان إثنان يتناجون فيما بينهم ويبوحون للنيل باسرارهم العشقية , من قال أن القاهرة ليست رومانسية؟
من تحت الكوبري تعبر المراكب بعضها كبيرة سياحية فاخرة تظهر من شبابيكها قاعاتها الواسعة والفرق الاستعراضية والرقاصات وعلى سطحها يقف بعض السواح يستمتعون بنسيم الليل القاهري , وأخرى صغيرة ضيقة لا سقف لها وتعيش فيها عائلات بأكملها ينشغل الأب بالصيد والام بالطهي والأطفال بالتجديف , لكن أكثرها قديمة صدئة مسقوفة بخيمة مضاءة بلمبات كحلية خضراء حمراء, ومحملة بالفقراء من العائلات والصبايا والشباب وتعلو منها أصوات شرائط الكاسيت وأغاني سعد وشيرين ونانسي وعمر ذياب
نقطع التحرير ونعلو ستة أكتوبر , أتذكر أن أفتح هاتفي الخلوي الذي كنت قد أقفلتة خلال العرض لأجد رسائل من أصدقائي يسألون عني ويعلموني أنهم بانتظاري في أحد مطاعم وسط البلد , اعتذرت لسائق التاكسي عن تغيير الاتجاة وتوجهت اليهم ,جسور القاهرة تزداد ارتفاعا اذ تنوء البلد تحت الزحام وتضيق أرضها بكل من فيها فتعلق دروبها في الهواء , دائما أخاف من الكوبري أتخيلة سينهار من ثقل السيارات , نزلنا من رمسيس حيث لا رمسيس بعد , شوارع وسط البلد مكتظة كعادتها بالبضائع المستهلكة والناس ,محلات اللانجيري والمنقبات, حناطير وعربيات هامر ومرسيدس وأخرى عفى عنها الزمان وأطفال شوارع وباعة جوالين يتراكضون بألواح خشب تحمل بضاعتهم هاربين من مراقبي البلدية , رجل يحاول قطع الشارع وهو يحمل على رأسة صينية مليئة بأكواب الشاي
دخلت المطعم لأجد عمر والفارس والستيلا هناك , زمان يا عمر , اشتقنا للمات المكتبة , عمر وامبراطوريتة التي لا تغيب عنها الشمس من معالم وسط البلد , أما انا والفارس فمن هواتها, في مشاغلنا الأخيرة كنا قد ابتعدنا عن بعض وعن أماكننا المحببة , لا جديد لدى أي أحد فينا , سوى أن كل منا همة ازداد همين , يمر بنا أحد أصدقاء عمر ويتوقف ليصافحة , أسمعة يشتم دار الأوبرا على غلاء التذاكر فأشيح بوجهي احراجا , نتفادى الأحاديث السياسية ابتعادا عن أي شيئ يكئبنا ونجلس نراقب رواد المطعم , في أحد الأركان يجلس رجل بصحبة امرأة تبدو وكأنها معلمة على قهوة شعبية , تلبس جلابية سوداء وايشاربا أسود ينسدل عن شعرها , تتلذذ بتدخين الشيشة وتأكل الأيس كريم , في مقعد أخر تجلس فتاتان ملتصقتان تقرءان معا في كراسة , ربما دراسة جامعية أو ربما سيناريو , احداهما تداعب وجه الأخرى وعنقها بطريقة حميمية جدا والثانية تغلق عينيها استجابة للمسات صديقتها , ليس في ذلك ما يزعجني انما أدهشتني جرأتهما وربما لا حاجة للجرأة في القاهرة اذ أن كل مشغول بنفسة , تدخل بعض المحجبات منهن من تزيل الحجاب وأخريات تبقين علية وجميعهن تجلسن لشرب الستيلا بالحجاب أو بدون حجاب , في كل لحظة أنظر الى عمر باستغراب ويفهم معنى نظرتي ,عادي يا عشتار , القاهرة مليئة بالغرابة لكن لا شيء غريب عنها , بعض الطاولات لا يحلس عليها سوى رجال , مجتمع ذكوري أفكر , على طاولة كبيرة تجلس مجموعة من الرجال أحدهم صاحب لدار نشر وابن لزعيمة اخوانية , البقية ربما كتاب أو صحفيين وبعض ممثلي الكومبارس , دائما تنضم لنفس المجموعة امرأتان خمسينيتان أو ستينيتان , أحداهما صبغت شعرها بالاصفر الفاقع وطلت وجهها بالمساحيق , الثانية دائما تلبس فروة سوداء وتبدو وكأنها خرجت لتوها من محل كوافير , تزعج المطعم كلة بقهقهاتها ورنات موبايلها وحديثها العالي عن الكحول والهانج أوفر الصباحي , مدام هانج أوفر أسميها ,غير ذلك لا أدري أي حديث يجمعهما بالمجموعة الثقافية المرافقة لهما , وهنا وهناك بعض الأجانب أو طلاب الجامعات أو البوهيميين وأشرف نادلنا المفضل يطل علينا كل لحظة ليطمئننا أن الكونترول عالي والفولو أب شديد وكل شيء تحت السيطرة
عمر يغرق في صمت وأنا والفارس نلهي أنفسنا بالكتابة , يخرج من جيبة دفتر ملاحظاتة الملازم لة ويخرج كل منا من جعبة ذكرياتة حنين نحاول أن ننسجة في سيمفونية شعرية واحدة , متخيلين أننا شعراء
نخرج من المطعم بعد منتصف الليل , ما زالت الشوارع مزدحمة بالناس وأنوار السيارات تضيئ عتمة الليل , بائعو الصحف يفترشون الأرصفة , في التاكسي أجلس لأراقب دراجة نارية يقودها رجل وهو يضم بين ذراعية طفلية الجالسين أمامة , بنت وولد دون السادسة ,وزوجتة وراءة مرتدية حجابا وعبائة مطرزان بالفضي والذهبي واذ يستحيل أن تجلس على المقعد مفرودة الساقين بعبائتها فتجلس بشكل جانبي متكأة بكتفها اليمين على ظهر زوجها مدلية ساقيها في الهواء ليبان من تحت عبائتها حذائها الأبيض اللامع ,تلك هي عائلة مصرية عائدة الى بيتها من نزهة في وسط البلد
أصل بيتي لاخلد للنوم لكن لا تنام القاهرة