Tuesday, November 10, 2009

اطلالة

نزولا عند رغبة بعد الأصدقاء أفتح الصفحات ثانية ,لي عودة
أنا تهت عن دروبك يا دنيا
فأعيديني اليك
واويني في ذراعيك
وانفضي عني غبار تعبي وسنيني
واطفئي حرقتي
واشعلي جذوتي
واغمريني في مسراتك
واغمسيني في ملذاتك
وبرعشة أيقظيني من غفوة أحلامي
ودعيني احلق في الفضاءات وأجوب المجرات
وان هويت يا دنيا
ففي أحضانك لاقيني

Thursday, September 10, 2009

أودعكم

هنالك عالم بأكملة في داخلي قلة هم من استطاعوا اختراقة مما يجعلني أشعر بأنني حبيسة نفسي , وتلك الصفحات كانت لي فضاءا أطلق بة العنان لروحي خارج أسوار سجنها
ربما أصبحتم تدركون ولعي بالمفردات اذ كان هذا الركن لي مرتع طفولة أحاول أن ألملم بة من المفردات أجملها كما كان يحلو لي عندما كنت صغيرة أن ألملم الحصى من جدول نهر ,ألهو بها وأرسم بها دروبا ومسارات وأبني منها أبراجا وأمنياتا مبعثرة , لكن أحيانا كثيرة كانت الكتابة بالنسبة لي وسيلة لسكب كل ما تراكم بداخلي من أحزان وأشجان ,من ما تناثر في أرضي من شظايا أحلام مكسورة , من كل ترسب بي من مشاعر سلبية ومن مشاعر مقهورة, لأعيد صياغتها في حلة جميلة من المفردات وكان ذلك , حتى في أحلك لحظاتي وحتى في سواد ما كتبت , يبهجني ويعطيني الفرح كما يفرح الطفل ببدلة العيد وكأنني سأرتديها وأجمل بها نفسي
لكن لم يعد لدي ما أعطية لكم , أحببت التواصل معكم وأن الأوان لأن أقفل صفحاتي هذة وأودعكم
شكرا لكل من قرأني , لكل من أصغى الي ,ولكل من أنسني وأسعدني بحضورة
سلام

Wednesday, July 22, 2009

قلب الحياة

قلب الحياة هي القاهرة
تلك المدينة التي شاخت واهترأت وتجعدت وتشوهت , ما زال يجري في عروقها اكسير الحياة , تذكرني أحيانا بوادي اللقايا وهو مصطلح دارج في قريتي ينسب الى المكان الذي قد تجد بة كل شيئ , سمعتة أول مرة في صغري ودائما كنت أتخيلة كمكان يحتوي على كل ما هو مثير ومبهج ونادر وبديع ومع أنني لست سعيدة بشكل خاص في مكان عملي الجديد الا انة حتى هو يبدو لي مثل وادي اللقايا
أعمل حاليا في شركة تمتلكها احدى العائلات المصرية العريقة وتعتبر من أقدم وأعرق الشركات في مجال عملها . وكانت الرائدة في تصدير المنتجات المصرية الى الأسواق الأوربية والأمريكية
للشركة الكثير من المصانع في مناطق متعددة من مصر , الا أن مكتبي يقع في الفرع الرئيسي في احد اقدم الأحياء القاهرية , حيث منة انطلقت الشركة قبل قرابة المئة عام
عندما دخلت المكان أول مرة هالني قدمة وأدركت لاحقا أن المبنى في الأساس كان الفيلا السكنية للمؤسس , في المبنى باب يقودك بخمسة سلالم تنزل بك الى البدروم الذي بنيت بة صالة الانتاج الاولى ومن ثم توسعت أعمال المؤسس فوسع البدروم وبنى فوقة 8 أدوار أخرى
أول شيء لفت نظري في جولتي الأولى بين الستمئة عامل في المبنى هو معدل السن المتقدم وكثرة ذوو الاعاقات الذهنية والجسدية أو العاهات الخلقية
تقدمت من امرأة خمسينية عرجاء , يبدو أن لديها اعاقة ذهنية خفيفة , ولها عيب خلقي في وجهها الذي رغم ذلك يشع صفاء وسكينة , كانت تقف على احدى الماكنات التي تتطلب دقة مهنية عالية ومجهود جسدي , مهنة تقتصر في كثير من المصانع التي زرتها قبل الأن على الذكور , سألتها متى ابتدأت عملها في الشركة , منذ ثلاثين سنة أجابت بابتسامة تجمل عيوب وجهها الرضي واستمرت في عملها
مررت في أحد الأقسام وأبديت بعض الملاحظات على النظافة والنظام ومنذ تلك اللحظة أجد ماجد صباحيا يقف أمام مكتبي مبتسما ليكرر لي سيمفونيتة اليومية التي يعيدها أكثر من مرة ليتأكد أنني فهمت
خييتيك الدنيا جاي الفيي , يبنا معاك , أي خلتلك الدنيا زي الفل , ربنا معاك
وماجد شاب ثلاثيني معاق ذهنيا ذو وجة شديد التشوة
عواجيز من الرجال والنساء بعضهم قد تجاوز السبعين , أحدهم ربما الثمانين يجرجرون أنفسهم بظهور منحنية وخطوات متثاقلة , انما يؤدون عملهم بدقة وتؤدة وتفاني واخلاص لروح المؤسس الأول التي ما زالت تحلق في كل ركن من ذاك المكان العريق
في كل دور من أدوار المبنى الاداري هنالك باب زجاجي كبير ذو ذرفتين , دائما مقفل, لم أعر تلك ألأبواب اهتماما قبل الأن وأنا مشغولة بكل التفاصيل الأخرى في المكان , حتى أتيت ذات صباح ووجدت أحد الأبواب مفتوح على مصراعية , دهشت وتقدمت منة لأجد نفسي أمام ما يبدو وأنة المدخل الرئيسي القديم للفيلا , سلم رخامي لولبي واسع محاط بسور من الفيرفورجية , وشبابيك من الفيتراج بهي النقوش والألوان , شعرت وكأنني عدت مئة عام الى الوراء وشعرت بروح المؤسس حاضرة أمامي وتخيلتة يجلس على شرفتة يطل منها على الحي , على القاهرة , على مصر يتأمل ويفكر ويتبصر ويمارس أنبل الأحلام البشرية , حلم العطاء , لبلدة وناسة وشعبة
ربما أصبحتم تدركون أحوالي المتذبذبة ما بين الود والخصام , وما بين الانصهار والانشطار مع وعن القاهرة وفلسطين وكل ما حولي , وفي الفترة الأخيرة كنت أعيش في حالة زعل من الحياة , في حالة من العزلة والانشطار , والعزلة في حالة انصهار عشقية مع الذاكرة , فهي تقفل الأبواب على كل من حولك وتفتح مصراعيها للذكريات لتجتاحك وتتغلغل من مساماتك وتلتحم بك لتجرفك الى سراديبها ومغاورها وتسمرك في لحظات وأوقات كنت تظن أنك تخطيتها وتجاوزتها وتركتها من ورائك
أتمنى أحيانا أن يكون لدينا القدرة على التحكم بأرشيف الذكريات وأن يكون للعقل سلة مهملات كتلك التي في الكمبيوتر نلقي اليها بكل ما نريد أن ننساة , بعض الأشياء مع شدة ايلامها نحاول دائما التشبت بها وبعضها برغم بهجتها هي تلك التي نود أن ننساها
لي تلك الحالات من الجزر التي تسحبني بعيدا عن شواطئ الدنيا وتجرفني الى عوالمي الخاصة , الى أعمق أعماق ذاتي لتغرقني في فراغ كحلي , في تية , في فوضى من التساؤلات عن معنى حياتي , عن ما كنت وعن ما أصبحت علية , وأحيانا أفكر أنني أحتاج لزلزال ليعيدني كتسونامي الى الشاطئ الا أنة احيانا أخرى مجرد سؤال قد يسحبني بخفة كالريشة من حيث أنا ويجعلني أحلق كفراشة عائدة الى مراتع الحياة
سألني أحد أصدقائي بعد غياب طويل كيف تعاملك الحياة ,صمت لحظة ووجدتني أجيبة , ها هي الحياة هنا أمامي وعليك بالأحرى أن تسألني كيف أعاملها أنا
علي أن أعترف أن انزلاقاتي في متاهاتي خيار ومعانقة الحياة خيار فأكبر عائق أمام سعادتنا هو نحن أنفسنا ,اذ أن السعادة الى حد كبير هي أيضا اختيار
اخترت عرضا موسيقيا بعنوان زمان , رأيت لة دعاية على الفيسبوك في مكان يدعى مكان , اتجهت الية تائهة في شوارع القاهرة المزدحمة المكتظة بالمحلات والناس , في قيظ الصيف الحار , حتى وجدتة , نظرت الى المكان وتذكرت وادي اللقايا , , لا شيئ يدل علية , , مكان صغير أمام ضريح سعد زغلول , بضع سلالم تنزل بك تحت الشارع الى باب حجري وقاعة قديمة بنور خافت , قد لا تتسع لأكثر من خمسين شخص
فناجين شاي وكركدية وسجادة افترشهتا فرقة موسيقيين شعبية , بعضهم على الكراسي بعضهم على الأرض , الفرقة مكونة من رجال ونساء متقدمين نسبيا في السن , ملابسهم تدل على ظروفهم المعيشية البائسة , الألات الموسيقية احتوت على الدربكة والدف والطبول والدرامز والقانون والناي وأخرى قديمة لم أر مثلها من قبل , الموسيقى هي مزيج من الشعبي المصري والأفريقي والزار مع بعض النكهة الحديثة
النساء سمراوات ربما من أسوان , ضخمات الجثة تلبسن الزي الفلاحي , ذكرنني بأم بدوي من مسرحية ريا وسكينة , اثنتان جلستا على الأرض واحدة ربما ستينية كانت تعزف على الدربكة وأخرى أربعينية تعزف على الدف ومن الواضح أنها تشترك في حلقات زار لأنها كانت تدق الدف بقوة , بحسية حتى أنها كانت تغيب عما حولها وكأنها في حالة نشوة , الثالثة ربما خمسينية , جلست على كرسي وكانت تدق على الدف وتغني مع الجوقة , ومن ثم قامت لتقدم أغنية منفردة , بعنوان إية يا بنية , حالما انطلق صوتها أصابتني قشعريرة , ليس لجمالة وانما لعنفوانة ,لطاقة الحياة في أوتارة , لأبعادة اللامنتهية وكأن لة رحيق الحياة ومذاقاتها وألوانها , كأن الحياة تجسدت فيها وانبعثت منها , كأن هو ذاك كان صوت الحياة , رقصت وتمايلت وغنت وضحكت وتفاعلت وغابت في أحاسيسها وعادت لتنحني للمستمعين برقة لا تنسجم تماما مع جسدها الضخم
هزني حضورها حد الدموع وفي طريق العودة الى شقتي وجدتني أدندن أغنية محمد منير

قلب الحياة مليان حاجات وبتفرح
قلب الحياة جواة بلورة مسحورة
قلب الحياة مليان أحلام صغيورة

Monday, June 15, 2009

Starry starry night

video

Saturday, June 06, 2009

محاولة للعودة

شكرا لكل من سأل عن غيابي
اشتقت اليكم , اشتقت للتواصل معكم لكنني أحيانا لا أجد المفردات المناسبة لرسم حالتي الذهنية وللتعبير عن ما أنا علية
لم تتغير أحوالي كثيرا , ابتدءت عملا جديدا لا أجد بة متعة خاصة سوى التحديات اليومية لأنماط وسلوكيات عمل رتيبة وبائتة والمشاكسات مع الميمات , وما هي الميمات؟
في علم النفس تعرف الميمات على انها النظير الذهني للجينات , انها عبارة عن مجموعة من الأفكار والمعتقدات التي نتوارثها من جيل لجيل , فالميم قد يكون فكرة لها كيان كالجين ولها القدرة على استنساخ نفسها بطفرة أو بدون طفرة , ,وأن لم نكن مدركين وواعين لها ولكل اليقينيات الراسخة جذورها فينا , ان لم ننظر اليها بعمق ان لم نواجهها ونختبرها فسنعيش حياتنا مجرد عابرين في مسارات خططها لنا وألقانا فيها أسلافنا , ان لم نضع نزعاتنا المتوارثة على المحك فلن نكون نحن أبدا أسياد حياتنا , ولن يكون بمقدورنا أن نهندسها ونخططها ونصممها ونلونها كما نرغبها وكما نريدها أن تكون ,انما سنكون مجرد منفذين لما خططة لنا أسلافنا
لكن أكثر ما يذهلني في مكان عملي الجديد هو نقص القوى العاملة , تصوروا أن مصر تستورد عمال من سيريلانكا وبنجلادش وغيرها من دول الشرق الأقصى, في الحقيقة في خلال سنين حياتي الطويلة في مصر كان دائما يدهشني الحضور الغائب أو الغياب الحاضر للطبقة الكادحة , ما عدا اضرابات عمال كفر الدوار والمحلة , و كنت قد حدثتكم في أكثر من مدونة عن الرجال العاطلين عن العمل الذين يفترشون شوارع القاهرة والذين أشاهدهم يوميا في مشواري الصباحي ولا أستطيع أن أستوعب كيف تستورد مصر عمال عندما لا يلقى ملايين الناس لقمة العيش ؟
عموما ليس هذا بغريب عنا فنسبة العمالة الاجنبية في بعض دول الخليج قد تصل الى 80% أو أكثر
دائما عندما أجوب شوارع القاهرة اراقب فوضى المباني وفوضى الناس وفوضى مصر كلها مجتمعة في ابتسامة , على وجة تائة , تجمع ما بين الأمل واليأس , ما بين التمرد والخنوع وما بين القناعة والبؤس , أتساءل مع نفسي عن مسؤولية الافراد في ما وصلت الية أحوال البلد , وأنا اعتقد أن للافراد مسؤولية كبرى بل ربما الأكبر في ما وصلنا جميعنا الية في هذا الشرق ,تماما كمسؤولية الفلسطيني كفرد عندما يحمل سلاحا يقتل بة أخاة
ما زالت مصر بلد التناقضات ففي ابحاث أخيرة صدرت اتضح أن الشعب المصري هو أكثر الشعوب تدينا وايمانا وفي بحث تلاة باسابيع قليلة احتل المصريون الصدارة كأكثر الشعوب تشاؤما وكأبة !! وأنا التي كنت أبحث عن الايمان كمداواة لانكساراتي
وما زالت القاهرة قادرة على أن تبتلعني وتصهرني وتعيد صياغتي من جديد
يوميا أعود الى شقتي القاهرية مارة بشارع مصر والسودان أعبر دير الملاك وجامع كشك وحواري حدائق القبة الضيقة وعماراتها القديمة واسواق الفاكهة والخضار العاجة بالناس ومطاعم السمك والجمبري والكشري والكبدة والمخ والرز بلبن والبسبوسة والطعم المصري للحياة
في الفترة الأخيرة كنت أقضي جل اوقات فراغي في دراسة جديدة قد تكون أثرت افاقي وكسرت مللي انما مللتها هي أيضا , تستنفذ مني كل طاقتي على القراءة حتى أصبحت أشتاق الى أصدقائي , الى حياتي والى كتبي , وأول ما ابتدأت عطلتي الدراسية توحدت مع كتبي ولامستها وتصفحتها وغازلتها واخترت كعادتي أكثرها كأبة وسوداوية
ما زلت مبعثرة ومشتتة وما زلت أبحث عن معنى للحياة
في احدى المرات التي زرت بها اهلي , أتت أختي لتقلني من محطة القطار ومعا ذهبنا لنقل الصغار من المدرسة في طريق عودتنا الى البيت , صعد الاطفال الى السيارة بشنطهم المدرسية , الطفلة التي أصبحت الأن في الثامنة والتي كانت تلبس شورت أخرجت ألوانها ورسمت قلب حب كبير على ركبتها , ثم لونتة بألوان العلم الفلسطيني , لم يكن لذلك أي مقدمة وأي مناسبة ولم تحاول أن تلفت نظرنا , كانت صامتة وغارقة في رسمها تختار ألوانها وتمسحها على ركبتها بعناية واتقان
هذة القصة تقدم مثالا جيدا لما أحاول أن أعبر عنة عندما أتحدث عن معنى للحياة , فمنذ طفولتنا ومنذ نعومة أظفارنا , منذ أول مسيرة حياتنا نختار لنا فكرة نسعى اليها , فكرة ربما ورثناها , وربما صنعناها بأنفسنا ولأنفسنا وربما تشاركناها مع من نحب ,فكرة تكون لنا نجمة تضيئ في سمائنا تنير لنا مساراتنا فنسعى اليها بلا كلل وقد لا نصلها أبدا انما هي ما يعطي حياتنا معنى
أنا كانت لي في سمائي نجوم كثيرة منها ما اندثرت ومنها ما هوت وانسحقت ومنها ما تبعثرت في فوضى حياتي وتاهت مني في متاهاتي , وأجدني الأن في رحلة بحث عن نجوم جديدة وعن معان لوجودي ولكياني
و ما زالت ذكرى أبي حاضرة , ليليا يزورني في أحلامي , في المرة الاولى التي حلمت بة بعد موتة رأيتة برفقة أمي في ندوة للكاتب الفلسطيني الراحل اميل حبيبي الذي كان أبي يحبة لأنة كان يهوى الكأس وصيد السمك مثلة , قالت لة أمي أخبرة أنك أيضا قد مت مثلة , غص أبي وبكى فأتى اميل حبيبي وجلس بجانبة وأخذ يحدثة عن ما وراء النفق الأسود الذي سيرافقة الية , الذي هو الموت , حتى اطمئن أبي وابتسم
مرة أخذني في جولة الى عالمة الجديد ليريني الوادي الذي يقطنه سألتة إن كان قد قابل والدية أو أي من أقربائة أو أصدقائة ممن رحلوا لأطمئن أنة وجد لة صحبة هناك فحدثني عن محاكمة أجراها لة شيوخ العائلة وأن عم مبدا الذي ترأس المحكمة كان عادلا معة وأنصفة , وعم مبدا هذا يمثل أقدم جيل عرفتة في عائلتي وقد توفي منذ زمن طويل , ربما قبل ولادتي وأنا لم أعرفة سوى بالاسم , مما يجعلني احيانا اعتقد انني في حالة ميتافيزيفية وأن ابي بحاول التواصل معي , أحياتا يأتيني ضاحكا وأحيانا باكيا , مرة أتاني من أسفل تل , مرتديا بنطالة الجينس الباهت وتيشرت البولو الأزرق وطاقيتة الذين كان دائما يرتديهم اثناء عملة في الحاكورة وكان سعيدا وضاحكا لكنة ما أن وصلني حتى صرخ لي بألم أنا وحيد وتركني ومضى ,مرة رأيتة على شكل طفل رضيع في عرسال فحملتة واحتضنتة
في المرة الأخيرة التي حلمت بة كان على سريرة في بيتنا وكنا حولة أنا وأهلي وكان يبكي حزينا على موتة , واذ لم استطع رؤيتة بذاك الحال عدوت هربا من الغرفة وركعت أحتضن الارض وأنا اصرخ بأعلى صوتي يا يما وكأنني أفجع بموتة لأول مرة
أصحو من أحلامي هذة خافقة القلب لاهثة باكية مرتعشة ويداهمني الارق , أهرب منة الى المفردات ,هي رفيقتي في وحدتي , هي ملجئي من كل ما يؤرقني , هي لي مرتع طفولة ولعبتي المفضلة , أبحر في عالمها أنتقي أجملها لارسم بها فرحا عندما تجتاحني أحزاني , أبني بها أوهاما في انهيار الأماني أؤلف منها معان عندما تنحسر من حياتي كل المعاني لكنني احيانا اذ لا تسعفني مفرداتي أجدني أتساءل ان كانت حياتنا , ماضينا وحاضرنا , أمالنا ومستقبلنا , إن كان كياننا كله ينحصر في مفرداتنا؟ وهل هنالك معان ما وراء الابجدية وما وراء المفردات ؟

Tuesday, March 31, 2009

فانتازيا

هل هذا محال
أن يلقى القلب ما في البال
أن تتجسد لي واقعا
من لوحة رسمتها في الخيال
فأنا منذ عهد طال
أمتطي تخيلاتي
وأجوب الوديان والشطئان والجبال
أبحث عن ذاتي في ذاتي
وأبحث عنك في ذوات الرجال
حتى سئمت تيهي وشتاتي
وتعبت من الطواف ومن التجوال
وحططت الرحل وهجرت أمنياتي
وذوت أحلامي حد الهزال حد الزوال
فمن أين هبطت في فلواتي
هل هذا قضاء
ام هذا قدر
أم لبت السماء الابتهال
وهل محض عابر أنت في حياتي
وما الحكمة في أن تحيى الأمال
ها أنت الأن أمامي
حقيقي جلي
واللحظ في عينيك نبال
وخافقة رعشاتي
ومتقد بيننا الوصال
فانتازيا تلك ؟ من قال
فأنا أحسك في كل مساماتي
ورحيقك في أنفي يحسم السؤال
فهل ستبني عشك على ربواتي
يا عصفورا تمرد على القيود والغلال
يا غزالا شاردا يعشق الترحال
أنا أودك أن تبقى
وانما ليس كل ما ود القلب نال

Thursday, March 12, 2009

حواء خارج الميثولوجيا

يقال أن العالم مركز لاعادة وتكرير القصص , تنصب فية الحكايات والتجارب الانسانية لاستنساخها واعادة كتابتها من جديد مرة بعد مرة , قد يكون أدم هو الانسان الوحيد الذي روى قصة لم يروها أحد من قبلة ,فكل قصصنا أو قصائدنا عبارة عن صيغ مستحدثة لسيناريوهات رواها من قبلنا أسلافنا من الجنس البشري , انما نضفي عليها نحن لمساتنا الخاصة , نطعمها بتفاعلاتنا وانفعالاتنا , ونشبعها بأحاسيسنا وحواسنا ونعطيها معان من ادراكنا
والقصيدة التالية هي صيغة عصرية لقصة حواء

أريد أن أرحل الى النجوم فهيا يا أدم لصحبتي
أنر لي طريقي
في الكون الغميق
وكن لي يا صديقي , رفيقا في رحلتي
وحيد أنت وأنا غريبة
بعيد أنت , تعال قريبا
شريدان نحن فجاورني في عزلتي
وضمني وعانقني
الحلم ساكنني
في الليل سامرني وكالقمر أنس خلوتي
وسأبوح لك بأسراري
وأسبر لك أغواري
وان أغويتك يا أدم فاغفر لي نزوتي
بي صبوة ورغبات
وتوق وشهوات
حواء أنا فاعفيني من الطهر والعفة
لك زاد ثماري
وماء أنهاري
وان انطفأت ناري أشعلني ثم أخمد جذوتي
طوقني وحاصرني
اجتحني ثم أطلقني
في مجرات بعيدة
وفضاءات مديدة
مضيئ أنت لي فيها منارة لعودتي

Monday, February 16, 2009

كقطرات المطر على نوار اللوز

وقفت على النافذة أشاهد قطرات المطر على نوار اللوز , وفيروز في بالي تغني جبلية النسمة
يقال أن إسم قريتي مشتق من كلمة عاصفة , فعلى سفوحها الجبلية يعلو زمهرير العواصف شتاءا على كل صوت , وتبدو القرية بمروجها وتلالها وكأنها حورية الكرمل تتراقص على أوركسترا العواصف والرياح
تعصفين وتهدئين
تثورين وتهمدين

ما زلت في حالة من السكينة التي تبدو لي مخادعة , عدت الى هنا لاقضي بعض الوقت مع أمي قبل أن أبتدء مشواري الجديد
أكرس أيامي لها , لتلك المرأة التي تتدفق أنهارا من الأمومة بوسعها أن تروي العالم بأجمعة , أصحو صباحا لأشرب قهوتي معها , أساعدها في أعمالها المنزلية والطبيخ والعناية بالاحفاد ونحن نستعيد الذكريات ,واحيانا أنفرد مع نفسي لأتأمل في مستقبلي ومساراتي القادمة
الى أين ترحلين
وكل الأمكان غريبة عنك
وأنت تغربين عن الأماكن والناس
وتهوين
في بحر من عدم وتغرقين
السبت الماضي ذهبت برفقة أختي وصغارها الى البرية ,السماء كرملية والصخور كرملية والصقيع كرملي , وفيروز تغني طريق النحل , والطرق مكسوة ببساط من العشب الأخضر , بالزقوقيا وقرن الغزال وشقائق النعمان وزهور ونباتات أخرى توارثنا أسماءها عن أهالينا ولا أدري كيف يسمونها خارج حدود قريتي
كانت الصغيرة إبنة أختي التي تعيش في المدينة منفعلة ومثارة من الاسماء , هذا حفحاف وهذا عصا الراعي , هذا قرص عني , هذا يصلح للاكل وهذا سام , سألتني ان كانت هنالك نباتات بدون أسماء فقلت لها أن هنالك عدد لا يحصى من النباتات التي لها اسماء لكننا نجهلها , اختارت نوع معين نجهلة واعطتة إسم ثم انطلقت في المدى الاخضر الرحب لتبحث عن المزيد منة وكلما وجدتة كانت تقفز من الفرحة ناطقة بالاسم الذي اخترعتة بأعلى صوتها وكأنها تخلق لنفسها عالمها الخاص
اخوها وجد سلحفاء صغيرة , وعلى بعد امتار منها داخل شجرة سريس وجد سلحفاء أخرى , لم نميز الذكر عن الانثى لكن الصغير فكر أنهما لا بد زوجان تائهان عن بعضهما وباعتبار الوقت الذي قد يأخذ للسلحفاء بقطع مسافة من بضعة أمتار , حملت أختي احداهما ووضعتها بجانب الاخرى وفكرت أننا بالنسبة لهذين الكائنين قدر نزل من السماء ليلم شملهما من جديد
ومن ثم تشرقين وتحلقين على جناح فراشة وتنزلقين
الى مراتع الذكريات والحنين
راقبت دهشة الصغار وانا أستعيد طفولتي وأحلامها الزاهية التي كانت تحملني من زهرة لأخرى كالفراشات وتطير بي من هناك , من كرم العنب , من ربوع قريتي , إلى الفضاءات الواسعة ثم تعود بي اليها من جديد
في طريقنا الى البيت كانت فيروز في بالي تغني عروستنا الحلوة , لا أدري لماذا هذة الاغنية بالذات ربما لانة في طفولتنا كانت العروس في حلتها البيضاء هي التابلو الذي لقنا بأن نختار ألواننا منة , نحلم بة ونصبو الية وهو الافق الذي كانت تنتهي بة كل المسارات
البارحة ذهبت للمدافن لزيارة أبي , تعلمت أن أقمع كل ما يؤلمني ولا أدري ان كان هذا قد جعلني صلبة أم هشة , إعتذرت لابي لانني أحيانا أقصي ذكراة الى ركن بعيد في غياهب روحي
كالغيم تحتبسين الدموع والأنين
ثم تهطلين أمطارا من شجن
من حزن دفين
ودعتة وعدت للسيارة وفيروز تدندن بعدك على بالي يا قمر الحلوين , ومن هناك أكملت طريقي الى مكتب السفر لأحجز تذكرة سفر , أم عودة؟ , الى مصر وأنا أفكر في قريتي في هذا المكان الذي ابتدأت بة رحلتي , ,في تلك الربوع الخضراء التي حملتني وولدتني وأرضعتني من ثمارها وينابيعها وعطرتني بعبق رياحينها , في الصخور التي نحتتني كرملية القسمات , في تلك الجبال التي ما زلت أسمع فيها صدى ضحكاتي أنا ورفاق الطفولة , في جذوري المزورعة هناك حيث الزيتون واللوز والسنديان , في غابات السرو والصنوبر , في الوديان التي منها انطلقت روحي ,في فلسطين , في تلك الأرض التي تحتضن في ثراها مثوى أبي , وغنت فيروز راجعة وحياة عينة راجعة
واليوم عندما وقفت على نافذتي تساءلت لماذا رغم كل هذا تهت عن طريق العودة ولم أعد أتقن الرجوع, لماذا ضللت عن المسارات التي رسمتها في طفولتي , ولماذا تبخرت أحلام الطفولة كقطرات المطر على نوار اللوز

Sunday, February 01, 2009

خاتمة

كم أعز السنين التي قضيتها معكم , أكلنا معا عيش وملح وهذا القسم كان بيتنا الصغير , كنا عائلة وسنبقى مع أنني سأرحل عنكم , ربما كنت أضعكم دائما في مقدمة المعارك وأتركتكم هناك وحيدين , تواجهون التحديات وأزمات العمل , صحيح أنني كنت دائما في الخلفية أدعمكم وأساندكم ولكنكم كنتم أنتم الأبطال الحقيقيين وأنا فخورة بكم
أتمنى أن أكون قد وفقت في أن أضع كل منكم في مكانة المناسب , المكان الذي بة سيجد نفسة ومنه سيهتدي الى الطريق الذي سيقودة الى قمة النجاح في حياتة المهنية وانا أريد أن أشكركم لانني من خلالكم استطعت أن أرى من أنا , حقيقة من أنا , وبكم حققت ذاتي , أنتم ميراثي الغالي في هذا المكان

بهذة الكلمات ودعت طاقمي العمل
وقفوا على باب المكتب دامعين ,الشاب الذي حدثتكم عنة في مدونة انفصام الشخصية العربية وغربتي , سألني ان كان يستطيع أن يودعني وداعا غير عادي , فهمت قصدة ولكنني ابتسمت وسألتة كيف يكون الوداع الغير عادي , مومئة لة بالأمان تقدم وطبع على وجنتي قبلتين وفعل زملاؤة مثلة
أما أمين الذي كتبت عنة في مدونة نهايات وبدايات والذي الأن كبرت زبيبتة وطالت لحيتة , فعندما وقفت لالقي كلمة الوداع على العمال في قسمة , وقف وجهة الى الحائط وذرف دمعتين وعندما تفرق العمال لم يطلب اذنا ليحتضنني ويطبع قبلة على جبيني
عدت الى شقتي بعدما وضعت الخاتمة لاثنتي عشرة سنة من عمري , ولم أذرف دمعتين ولا دمعة في وداع كان من الأصعب في حياتي
السنة التي مضت صفعتني بقسوة , ابتدءتها مدغدغة باحساس من الترقب اللذيذ فانتهت بي باليتم والفقدان
معاناة ابي استهلكت كل طاقاتي , كل ما كان بي من عنفوان حسي , من أحاسيس, من مشاعر , من براكين, كل أنهار الدموع انصبت في الطريق الذي قاد أبي الى موتة ولم تعد هنالك ولا دمعة واحدة
مفرغة من كل هذة الشحنات , من كل العواطف التي كانت دائما تنسكب مني لتلحمني بالمكان والزمان , عدت الى مصر وقد اتخذت قرارا جليديا بأن أقفل صفحات كثيرة في حياتي أولها عملي
فمنذ سنتين وأنا في حالة شديدة من الملل , مكان العمل ضاق بي , روحي لم تعد تجد لها مكانا هناك , أجدني أجلس أنا في مكتبي وتحلق هي في مجرات بعيدة
قلت لكم دائما أن الوحدة محفورة في صميم تكويني , وتحتل في داخلي ركنا عبثا حاولت أن أطرق بابة بالأصدقاء , بالأقارب والزملاء , حتى بمن مر في حياتي من رجال , إلا أن قلة هم الذين إستطاعوا التغلغل الية , الى أعمق غياهب روحي و قلة هم الذين استطاعوا أن يسمعوا هدير العواصف في صمتي أو إستغاثتي للسكينة في عز صخبي , وربما لهذا أجدني دائما بحاجة للبوح لهذة الصفحات , لكن المهم أن وحدتي تلك عودتني على التأمل في كل ما حولي وأحيانا كثيرة أشعرني وكأنني أراقب هذة الدنيا كشاهدة من غربتي من مكاني في عزلتي وكنت أرى فيها , وما زلت , عوالم تثيرني وتغريني وبي توق للانطلاق اليها وبي رغبة للمعرفة ,ونهم لأن أطور ذاتي وتحرق لتفريغ طاقاتي خارج كل القوالب التي لم تعد تتسع لفوران روحي ولا لأحلامي
لكنني كنت عاجزة عن المضي من حيث أنا , فبقيت أقدامي غائصة في روتين حياتي , نحن ندع أنفسنا نغرق في الروتين بدون أن نرى كم أنه يحجب عنا كل تلك الافاق اللا محدودة , نحن ندعة يطوقنا ويكبلنا ويقفل أمامنا الأبواب عن كل ما في هذا العالم من مساحات للانطلاق ومن مسارات للترحال , لأن من اسهل الأشياء في هذة الحياة هو التسليم بة والاستسلام الية , اذ أن البحث عن السعادة مغامرة قد تنتزعنا خارج أسوارة وبعيدا عن أمانة الزائف
والأن واذ استطعت أن أختم ذاك الفصل من سيناريو حياتي , أجدني أقف أمام عتبة جديدة أبحث عن ألوان أخط بها مساراتي
حزني ما زال عظيم الا أنني أحاول أن أفتح الأبواب للحياة لتجتاح شراييني وتعود لتنبض في عروقي وتحييني من جديد

Thursday, January 22, 2009

Tantalizing

So tantalizing your sweet torture
Your soul is a sparkling galaxy
titillating my senses, arousing my lust
Igniting my desires and my temperature
Your manhood is electrifying
so seductive so unconquerable
and so inviting is the adventure
Standing in front of your walls
Shaken by the incertitude
thrilled with anticipation
Will you open your door
Will you entrap me inside
Will you set me free through your wild nature
I want to dive into you I want to explore you
I want to fly with you in everlasting rapture

Wednesday, January 14, 2009

إزاء ما يحدث

أشعر بنفسي بكماء إزاء ما يحدث
لأن أي شيء سأقولة سوف يبدو تافها وواهيا إزاء ما يحدث
عندما كنت صغيرة كانت أمي دائما تروي لنا حكاية الذئب والسبع نعجات ,عن الذئب الذي دخل البيت وافترس النعاج الصغيرة بعدما خرجت أمها لتبحث لها عن قوت يومها
عنما أرى صور الطفولة المغتالة , الأطفال الغزاويين ممن قتلوا ومن حرقوا ومن تشوهوا ومن سيعيشون بعاهات جسدية ونفسية مستديمة طول العمر لا أستطيع الا أن أستحضر تلك الحكاية من طفولتي
لم تذهب الأمهات لاحضار القوت , فألاف العائلات في غزة لا حول لها سوى انتظار ما قد توفرة لهن الأونروا أو غيرها من الجمعيات الانسانية العالمية
في ذاك المكان المنسي والذي لا يسمع صوتة إلا عندما يعلو نعيق المدفعية الاسرائيلية , في تلك الحواري المكتظة بالسكان الذين يعيش معظمهم تحت الخط الأدنى للفقر , في تلك البلاد المحاصرة من سنين و المشحونة بالمعاناة والمأسي اليومية من ذل ومن جوع ومن عطش ومن أوبئة ومن برد ومن إختناق ومن قهر ومن ملل , في تلك المنطقة المحاذية للموت والمعزولة عن الضوء , عن العالم , عن الدنيا , عن الحياة , في تلك الأزقة الضيقة المزدحمة بالرجال العاطلين عن العمل وبالاطفال العاطلين عن اللعب حيث لا لعب ولا طفولة , في تلك المساحة الأعلى بكثافتها السكانية في العالم , أينما ضربت اسرائيل حتما ستقتل عشرات الأطفال , إسرائيل المندفعة كذئب مسعور المنساقة بشراهتها للقتل تعرف ذلك جيدا , وحماس تعرف ذلك أيضا
من فتح الباب للذئب ؟ يداهمني هذا السؤال , حماس أو غير حماس , ليس الوقت لحسابات النفس , ولكن هناك من فينا وبدون أدنى مسؤولية قد أخطأ في الحساب
ومع أنني أشعر بالعجز حتى البكم إزاء ما يحدث إلا أنة اليوم وصلني إيميل من أحد زملائي بعنوان , خمسة عشر يوما على الاجتياح الاسرائيلي ولم تنكسر شوكة المقاومة , في الايميل مرفقة صور ليهود مذعورين من ضربات الصورايخ الفلسطينية , ومنها صورة لجثة كلب قتلة صاروخ في عسقلان , أشكلون بالاسرائيلية , دموع التماسيح وإفتعال الدراما من شيم الاسرائيليين في حروبهم الاعلامية و تستفزني كثيرا هذة الصور عندما أراها في التلفزيون الاسرائيلي , فكيف نعتبرها نحن إنجاز ؟ نصر ؟ أو معاناة لمن يذبحنا , وكيف نعزي بها أنفسنا إزاء ما يعانية مليون ونصف فلسطيني الأن في غزة؟ حيث الرعب حيث الهلع حيث الوجع حيث الملاجئ التي لم تعد تتسع لللاجئين والمسشفيات التي لم تعد تتسع للجرحى والمقابر التي لم تعد تتسع للموتى , حيث عشرات القتلى كل يوم , حيث شظايا القنابل الفوسفورية الحارقة المنهالة على غزة من كل صوب
يتوعد مشعل بالمقاومة الى أخر قطرة دم ويطل علينا هنية ليعدنا بنصر وشيك , كيف يكون النصر بعد كل هذا الدمار بعد كل ما هدر من أرواح أطفالنا وأمهاتنا وشبابنا , بعد عشرات الألاف ممن شردوا وفقدوا بيوتهم وكل ما يملكون , بعد كل هؤلاء الذين سيعيشون بأعضاء مبتورة وحياة مبتورة وبأجساد محروقة أو بقلوب محروقة على فقدان من يحبون
وأنا في هذة المعادلة الجائرة والغير متكافئة والغير عادلة والغير منطقية كنت أود لو نعفي أهل غزة من كلمات كالصمود والمقاومة
عندما أرى المتظاهرين الذين يملؤون شوارع العالم العربي , ولست أنتقدهم , لكنني أحيانا أشعرهم وكأنهم يشحذون من أهل غزة كرامة فقدوها في أوطانهم , أكثر من مجرد التعاطف معهم , وكأن على أهل غزة أن يدفعوا ثمن كل الكرامة العربية الضائعة
ذكرني ذلك الايميل بمصطلح رأيتة مؤخرا ويدعى وثنية المقاومة أي تقديسها ونصبها فوق كل شيء وتخوين منتقديها وقصرها على الفعل المسلح , لا ننكر حقنا في الكفاح المسلح ولكن في استراتيجيتها للكفاح كيف تنوي حماس حماية اطفالنا وقد إنفتحت أبواب غزة على مصراعيها لقطعان الذئاب الاسرائيلية؟
عذرا من أهل غزة لأن كل ما قلتة وما كتبة مجرد هراء إزاء ما يحدث

Thursday, December 18, 2008

يا والدي يا ولدي

وإذا قيل هذا منهل قلت قد أرى ولكن نفس الحر تحتمل الظما
كم كنت حليما في ألامك
كم كنت هادئا في أنينك
كم كنت متماسكا في صراعك
كم كنت ثابتا في انكسارك
كم كنت كبيرا في نحولك
كم كنت بهيا في ذبولك
كم كنت مشرقا في شحوبك
كم كنت حرا في أسر سريرك
كم كنت عزيز النفس في هوانك
كم كنت قويا في ضعفك
كم كنت أبيا في وهنك
كم كنت عاليا في إنهيارك
كم كنت بطلا في إنهزامك
كم كنت حاضرا في احتضارك
كم كنت متألقا في موتك
كفارس عرف كيف يخسر معركتة بكبرياء , ألقيت بسلاحك ورحلت يا أبي
وكيف يا أبي غبت عنا وما زلت بيننا , فما زلت أراك في كل ركن وأسمعك ليلا جائلا في أرجاء البيت وأستيقظ فجرا على رائحة قهوتك الصباحية وعلى طقطقة الفناجين وخطوات قدميك
وكيف رحلت عن أرضك وما زلت مزروعا فيها ,فها أنت هناك في الحاكورة تمارس طقوسك العشقية مع الدالية وتقيم شعائر العبادة للزيتونات وتداعب نوار اللوز وتشتهي المشمش والتين والرمان وتستنشق السريس وتحاكي السنديان
كان أبي يعتقد أن للأشجار من النوع الواحد القدرة على التواصل مع بعضها كالانسان وكان يحدثني كيف يشعرها تحاكي جاراتها وكيف أن السروتين اللتين زرعهما بمحاذاة بعض على حدود أرضنا كانتا تكبران دائما بنفس الطول ونفس الميل كتوأمين متماثلين, وكيف حاول عبثا بإقناع السنديانة بمجاورة إحدى التينات وكانت السنديانة ضيفة جديدة إختار لها موقعا مركزيا في حاكورتة, ولكنها كانت كلما تكبر وتكاد تقترب من التينة حتى يجدها تلوي فروعها إلى الوراء الى أن تنكسر وتبدأ بالنمو من جديد , مما إضطرة أخيرا للتخلص من التينة , نسيت أن أسألة لماذا اختار السنديانة , ربما تعاطفا مع صراعها للبقاء , ربما لأن الكرمل يعشق السنديان؟ كثير من الأسئلة أردت أن أسألة إياها وكثير من الأشياء وددت أن أقولها لة وفي انشغالي في حياتي نسيت
نسيت أن أقول لك كم أنت رائع , كم أنك رجل استثنائي يا أبو الخل
ونسيت أن أقول سلمت يداك على كل ما أعطيت
تاري الأحبة عغفلة بيروحوا ما بيعطوا خبر
ولكن أبي حاول دائما أن يعطينا خبر ونحن لم نصدق , حاول دائما أن يومي لنا باقتراب الرحيل ولم نصدق
الأطباء واجهونا بصور الأشعة بالتحليلات الصادمة ورفضنا أن نصدق
أبدا لم نصدق أن المرض سيهزمة
لا لم يهزمك المرض بل أنت الذي هزمت الموت بالموت يا أبي
سمعتة مرة يقول لأختي وهي تعشق الحاكورة مثلة , لكل إنسان في هذة الحياة ما يبسطة , من الناس من يجد إنبساطة بالسفر , من الناس من يجد إنبساطة بالمشروب أو بالدخان وإلخ , أنت تجدين إنبساطك في أشرف ما يمكن أن يعشقة الإنسان , الأرض والحجارة و الأشجار , لكنك ما زلت تفتقرين إلى الخبرة الكافية وأنا أريد أن أهيئك لقدوم الربيع فأحضري دفتر وقلم لأعطيك مما أعرف , قالت لة أختي , ما زال هنالك وقت حتى قدوم الربيع لما الإستعجال يا أبي , قال لها أنة يخاف أن ينسى
كم من الإشارات أعطيتنا إياها يا أبي ولم نشأ أن نصدق
ربما كانت أكبر إشارة لي عندما ودعتة في الأسبوع الأخير الذي قضيتة معة في البيت , كان عصر يوم أحد وكان نائما , أيقظتة , أنا مسافرة الأن يابا , يا يابا صرخ بصوت عال مزقني إلى أشلاء
بعد سفري بيومين دخل أبي المستشفى فقطعت تذكرة سفر حالما عرفت وعدت لأجد حالتة قد تدهورت ودخل إلى مرحلة حرجة توفي بعدها بأسبوعين
يقدس أبي الأصدقاء وقد قال لي مرة أنة ينام ويصحى على كلمة صاحب , وفي أيامي الأخيرة معة قبل دخولة المستشفى سمعتة يحدث أحد أصدقاءة قائلا شيئان في هذة الدنيا لا أستطيع أن أتعايش معهما , الصحة الملتوية والناس الملتويين , لذلك كان شديد الحرص في إختيار أصدقائة ومع هذا كان لة منهم الكثيرين , لكن معظمهم هاجروا إلى أستراليا وكندا في الستينات , وفي أيامة الأخيرة هاتفوة جميعهم أو زاروة في المستشفى وهو وهم يدرون بدون أن ينطقوا بذلك بأن هذا كان الوداع الأخير
إلا أن صاحب واحد لة , أبو خالد , وهو أعزهم الية لم يستطع أن يكلمة ولا ان يزورة منذ تدهور حالة , فبرغم قرب المسافة الا أنة لم يكن قادرا على مواجهتة وعلى وداعة , كان يهاتفني دائما ليسأل عنة ويقفل التلفون من قبل أن أنهي الكلام رافضا أن يسمع الحقيقة عن حالة أبي
خلال الأسبوعين اللذين قضاهما في المستشفى واجهنا الموت ثلاث مرات مع أبي , إذ كان ساعات يغرق في غيبوبة يقول لنا الأطباء أنة لن يخرج منها , ويعود ليصحو بعدها متفقدا الوجوة المحيطة بة وفي الكلمات القليلة التي كان بوسعة أن ينطق بها كان يبتسم لنا ويمازح الممرضات الا أنة لم يستطع أن يخفي الحزن في عينية , الموت ثم الامل ثم الموت ثم الأمل وكأنها حرب إستنزاف , قلت لاخوتي لن يرحل قبل أن يرى عمو أبو خالد , إنة ينتظرة
وكان ذات يوم هاتفني عمو أبو خالد وبكينا معا على التلفون وأدركت وقتها أن لن يأت وأنة لم يعد هنالك أصلا وقت ليأت وعندما ذهبت إلى المستشفى قلت لأبي وأنا مشفقة علية من شوقة المضني لصديقة , عمو أبو خالد هاتفك يا أبي فانتفض جسدة كلة وأشرقت عيناة وأومأ لي في إنتظار المزيد عن صديق عمرة ,هل تريد أن تحدثة على الهاتف يا أبي سألتة , هز لي برأسة موافقا , وأصدر من حنجرتة بعض الحشرجات , قالت لي أختي إنة يفحص نفسة , إن كان يستطيع الكلام , وإذ كان عاجزا عن الكلام أغلق عينية وهوى في غيبوبة لفظ الروح بعدها بأربع وعشرين ساعة
لفظ روحة إلى أين ؟
في لحظاتة الأخيرة كتبت أختي
نحن هنا نستعد لطقوس الجنازة
وهناك في السماء يحضرون لمراسم الاستقبال
للرجل الجميل القوي البطل البستاني الصياد النجار الكهربائي التقني ذي المعرفة الواسعة والقلب الذهبي سيصلح لهم كل شيء وسيزرع لهم حديقة جميلة وعريشة عنب , وسيبني لهم فرن حطب وسيحكي لهم القصص والحكايا ونحن هنا سنشتاق للرجل الذي عشنا معة يوميا ورأيناة يوميا ولم نعرفة أبدا , استعجلت الرحيل يا أبي


علمونا منذ صغرنا أن الأرواح تصعد إلى السماء , هل رحل أبي إلى السماء لا ادري فموتة جعلني أؤمن بأن موت الجسد لا يعني بالضرورة موت الروح وأن روحة لا بد أن تكون الان هائمة في مكان ما ربما معنا , ربما في معبدها بين الزيتونات وربما تبحث لها عن عوالم جديدة قد تكون أجمل وقد تكون أكثر تشويقا وإثارة , قد تكون ما تكون , لكن روحة بالتأكيد ما زالت هنا حية
ومع أنني ودعت جسدة مع أصوات النائحات
نزولك على القبر يصعب علينا
وقليل الفضا ما يرتضى للحبايب

إلا أنني لا أستطيع أن أستوعب موتة , أن أستوعب الخسارة والفقدان , وأن قريتنا قد خلت منة , حاكورتنا خلت منة , دارنا خلت منة , حياتنا خلت منة , أن حياتي أنا خلت من أبي , ولا أتخيلني سأصعق لو هاتفت أهلي الأن في هذة اللحظة الأنية وجاءني صوتة الحنون يا ميت هلا يا حبيبتي
وربما أجدني أكتب هذة السطور محاولة بادراك أن صوتة لن يأتيني ثانية , وأنني لن أسمعة ولن أتحدث معة ولن أراة ثانية , ولن أجدة في إنتظاري على عتبة البيت في منتصف الليل ليحمل عني شنطة سفري
صديق لي لبناني كان أباة قد توفي منذ سنين بنفس المرض قال لي في إحدى لحظات انكساري خلال معاناة أبي بأن الحياة مع السرطان أمر شديد الألم والحزن لكن الامر الأشد حزنا هو أن الموت هو الشيئ الوحيد الذي قد يجلب الراحة للجميع
وأنا ما زلت مع ذاك الإنسان الذي كان يعاني على سرير مرضة والذي بموتة استراح من ألامة ومعاناتة , أنا الأن مجردة من أي شعور سوى الراحة التي تلت تلك المعاناة , سوى من إحساس التحرر من عذابة , من عذاب أمي واخوتي لعذابة , أنا عاجزة عن التواصل مع الأنسان الذي كانة قبل تلك الأسابيع من الألام , وعاجزة عن التواصل مع الحقيقة الأكبر حضورا في حياتي الأن , أن ذاك الانسان كان أبي , أن أبي مات
منذ رأيتة ينزلق الى غيبوبتة الأبدية إنزلقت أنا الى غيبوبة حسية , إلى عدم لا قرار لة , أنا الأن عاجزة حتى عن البكاء فقد أصبحت أسيرة خواء والدمع أصبح بي أسير
فهل هي راحة أم أن أحاسيسي ماتت بموت أبي؟
كان أبي طفلا أشقرا لكن شعرة إغمق إلى درجة السواد خلال مراهقتة , بعد كورس العلاج الكيميائي الأول تساقط شعرة الذي لم يشب أبدا رغم تقدم سنة ,وفي الأشهر الأخيرة من حياتة نما من جديد نحاسيا أشقرا وكأنة عاد طفل صغير
وعندما رقد في نعشة بهيا بحلتة الرمادية
جثوت بقربة وأمسكت بيدية ومسدت شعرة ورنمت لة ترنيمة الوداع الأخير
نم يا حبيبي
نم يا والدي يا ولدي
أرقد قريرا يا أبي أرقد قرير

Thursday, November 20, 2008

مساحة للبوح

كئيب جدا أصبح ركني هذا ولكنني لست موجودة حيث الفرح
قرأت كتابا لكاتب ياباني عن قصة حب تنتهي بموت البطلة بمرض السرطان , كنت قد رأيتة في إحدى المكتبات فتوقفت عندة واستطلعت ملخصة وتركتة , ومرة أخرى مررت بنفس المكتبة ولمحتة وشعرت بة يناديني فاشتريتة وتركت ما لدي من كتب وقرأتة وبي حاجة ملحة وموجعة لان أفهم كيف يتعامل الناس مع هذا المرض كيف يواجهون مناوراتة الخبيثة وصدماتة اللئيمة , من أين يأتون بالطاقة لتحمل معاناة أحبائهم , ألامهم وعذابهم , وكيف يتعايشون مع الخوف من الفقدان , وكيف يتهيؤون لقدوم الموت
كل شيئ حصل في أربعة أشهر , فتاة في السادسة عشرة رحلت عن العالم , وبالنسبة لستة لمليار انسان يبدو هذا الحدث هامشي ولكنني لست موجودا حيث يوجد الستة مليار , انا موجود في المكان الذي تصب الية كل المشاعر التي ترافق رحيل شخص نحبة , ولكن أين هو هذا المكان , أنا لا أعرف , لا أعرف أين أنا
هكذا يبدأ البطل برواية قصتة وأنا ايضا في في هذة اللحظات التي يعتمها حضور أنوبيس أحاول أن أرى أين أنا
أنا في المكان الذي انهارت فية كل أسوار الأمان
أحيانا عندما أتكلم عن الأمان أعجز عن أشرح لنفسي أو لرفيق المحادثة عن معناة أو عما أبحث عنة فلبعض الناس أو لمعظم الناس الأمان شيء مفروغ منة وهو غالبا مستمد من الايمان باللة وبالعناية الالهية , بينما عدمة يأتي من كل ارتجاجة ولو صغيرة في اليقينيات المزروعة جذورها عميقا بنا منذ طفولتنا , لكن لدي الأمان يأخذ أبعادا وأعماقا وأشكالا مختلفة فقد يكون أحيانا نابعا من داخلي, من قوتي الداخلية , من ثقتي بنفسي وأحيانا يأتي من المكان والزمان والناس وحتى من محاولات بحثي الفاشلة في الميتافيزيقيا والروحانيات ,أبعادا ربما أحدثتها بي نشأتي واغترابي في وطني وشتاتي ووضعي كامرأة في غربة وعيشتي الوحيدة في شقتي القاهرية في مجتمع يتعامل مع رجالة كذئاب ومع نسائة كفرائس وبالتالي فهو لا يستطيع أن يتقبل احتياج المرأة للاستقلالية في حياتها والسلطة على كيانها وأن يستوعب مقدرتها على حماية ذاتها , فيضعها في موقع الشك والريبة , وربما هو جواز سفري الذي أمقتة والذي أحملة رغما عني في بلد يمقتة فخشوت أن يمقتني معة, وربما هي تساؤلاتي الكثيرة في ما وراء اليقينيات والتي حلقت بي بعيدا عن مجتمعي وناسي وانتزعت قدميّ من الأرض التي أعيش عليها
وربما هي طبيعتي المنعزلة التي أوجدت بداخلي ثوراتا حبيسة وعوالما خبيئة لم يستطع أحد اختراقها بعد , ويجعلني هذا أفكر أن الأمان بالنسبة لي قد يكون هو المقدرة على الوقوف مجرد من أي دروع وعلى تعرية روحك بكامل غياهبها وظلماتها وأن تكون ما أنت
والحقيقة فأنا لا أدري إن كانت طبيعتي هي التي ولدت لدي الشعور بعدم الأمان أم أن انتقاصي الية هو الذي بلور طبيعتي
لكنني الأن أتحدث عن النوع البديهي جدا من الأمان الذي ينتزعة منا الخوف المطلق من الموت
لو لم أكن قد مررت بتجربة أبي مع مرض السرطان ,ربما كنت كقارئة سأبتعد عن كتاب كاطياما الياباني أو حتى عن مدونتي , لأنة من الطبيعي أن نبحث عما يبهجنا ولأننا دائما نحصن أنفسنا وراء الاحساس الذي أجهل مصدرة ولكنة جزء من طبيعتنا البشرية , بأن هذا لا يمكن أن يحدث لنا , الأمراض والأزمات القلبية وحوادث الطرق والقطارات والسفن والطائرات والحروب والعمليات الانتحارية والزلازل والبراكين والسرطان , هذة الأشياء لا يمكن أن تحدث لنا
وبالذات السرطان هو من الأشياء التي لا نريد أن نقرأ عنها أو نسمع بها ربما لما يحدثة العلاج والمرض نفسة في شكل المريض من تغييرات قد تؤذي أعيننا وأنفسنا, أحيانا يسألني أبي إن كان منظرة مؤذيا ,ولكنني ما زلت أراة جميلا وكأنة طفلي الصغير وأود دائما أن أمسك بيدية وأحتضن وجهة وأقبل جبينة
المعاناة مع السرطان تختلف عن أي مرض أخر , أذ أن العلاج نفسة منهك ومؤلم , فبسبب وحشيتة لم يستطع الطب محاربتة سوى بأفتك الأسلحة من الأشعة الكهربائية والعقارات الكيميائية التي تنهش بجسد المريض كلة لتدمرة وتدمر من حولة معة , وهو لخبثة وبالرغم من قسوتة قادر على أن يخدعك بهزيمتة وأن يضحك معك معلنا عن هدنة سلام , وما أن تعتلي أمال الشفاء حتى يجتاحك من جديد وبمزيد من القسوة
والحياة معة رحلة مضنية من المعارك الخاسرة ومن استنزاف الطاقات , ومن الأمنيات الخائبة وتراكم الخيبات
بعد الصدمة الأولى عندما يصارحك الأطباء بالحقيقة تفتح عينيك على واقع جديد , واقع أحدثت فية فجوة كبيرة في حصن الأمان الذي بنيتة حولك ظانا بأنة يعزلك عن كل مكروة أسود , فجوة يطل عليك منها ذلك الأسود , وأنت لم تعد محمي بسذاجتك لأن السيئ قد حصل والاسوء ما زال يتربص لك , فجوة تتسرب اليك منها الهواجس حتى تصبح مسكونا بها , بخوفك من أي مصاب قد يحصل لاهلك وأحبائك من حيث لا تدري
كنت في فترة معينة من حياتي أعتقد أنني أتحكم بها وأن كل شيء هو رهن قراراتي , وكنت حتى في أحلك أوقاتي أجدني مدغدغة بلحظات من الترقب اللذيذ , لشيء أجهلة ولكنة بالتأكيد مبهج ومفرح , لأنني دائما كنت أتوقع من الحياة أن تدهشني , ولم أتوقع يوما أن أهوي من على صروح أوهامي , وأن يكون ارتطامي هكذا قوي هكذا مؤلما هكذا مدوي
في ذلك الكتاب الياباني , ولكل حضارة طريقتها في التعامل مع الموت , يثير البطل وحبيبتة المريضة الكثير من الأسئلة عن الموت , هل للموت معنى وهل ثمة استمرارية ما بعدة ,هل هنالك حياة أخرى , أين يذهب الحب , أين تذهب المشاعر والعواطف المتبادلة , ماذا يحصل للروح إذ تنفصل عن توأمها ,هل يبقى شيء منها في الرماد فاليابانيون يحرقون أمواتهم , وهل تلتقي الأرواح , هل تستطيع الاتحاد ما بعد الموت ؟
لكن وبعد أن رحلت حبيبتة عبثا حاول الفتى استحضار وجهها وصوتها وعبقها ليكتشف أن الموت هو حالة من العدم , من الخواء ومن الفقدان المطلق
أبي ما زال معنا ربما في لحظة الرمق الأخير , هل هذا هو الرمق الأخير لا أعرف ولا أريد أن أعرف , لكنة أحيانا يغيب عنا بذهنة بتأثير جرعات المورفين المفرطة ,وأنا لأول مرة ابتدأت أن أستوعب معنى الفقدان وأصبحت أشتاق الية كثيرا
وأنا الان في حالة من العدم لا أنتظر شيء ولا أتوقع شيء ويتشابك أمامي كل شيء
عندما أتحدث مع زملائي وأصدقائي عن محنة أبي أجد عند الجميع أجوبة جاهزة عن مشيئة اللة وعن عذاب الدنيا الذي يخفف من عذاب الاخرة وعن ألام المسيح وشفاعة القديسين
لا أنكركم أنني حاولت , ذهبت للكنائس والأديرة وصليت لابي وما زلت , لكن هذا لم يجلب لي الأمان
يكرة أبي تناول الدواء وسمعتة يحدث خالتي عن ذلك ويشكو لها بأننا نريد اجبارة على تناول دواء بديل , وفي مرة وكان يتأوة من الألم سمعت خالتي تلك تدعوة للصلاة , فقال لها ضاحكا إن هذا لأصعب من تناول الدواء
ليس أبي ملحدا وكذلك لست أنا لكن علاقتة بربة خاصة جدا وبعيدة كل البعد عن رجال الدين وأماكن العبادة , فالأرض والحجارة والأشجار هي قدس أقداس أبي , وبعد مرضة حاول التواصل مع الصلاوات والكتب المقدسة لكنة وبدلا من التسليم بمشيئة ربة وجد نفسة يزداد تساؤلات ليس كما تساءل المسيح
ايلي ايلي لماذا شبقتني أي الهي الهي لماذا تركتني
بل كما تساءل درويش
يا خالقي في هذة الساعات من عدم تجلى
لعل لي ربا لأعبدة لعل

لون عينيي بني ولو وضعت عليهما عدسات زرقاء فسيبقى لونهما بني , لا أدعي أن العلمانية هي جزء مني , لكنني هكذا نشأت والحقيقة فانا لست بعلمانية تماما أنا في منطقة رمادية , في مصر تعلمت أن أقدر الايمان كمصدر للراحة النفسية , لنور داخلي , لكنني رأيت ايضا كيف يتحول أحيانا الى غشاوة , الى سحابة سوداء تحجب الأفاق
أنا في رحلة بحث وقد لا أجد أبدا أجوبة لأسئلتي ومع كرهي للون الرمادي فربما في موضوع الايمان سأبقى دائما تائهة فية وعاجزة عن أن أعبر منة للأبيض أو الأسود
والأن وأبي في عذابة وأبي حيث الكرب , وأنا وأمي وإخوتي حيث الألم وحيث الحزن وحيث القلق , لم أعد أبحث عن أمان في الايمان ولا عن عزاء في مشيئة اللة ولا عن رجاء في العناية الالهية
بي أسى وبي وجع وبي حنق وبي ألف سؤال وبي إرهاق وتعب وأنا فقط أبحث عن مساحات أفجر فيها ما يعترم بي من براكين زعل وثورات غضب

Wednesday, October 29, 2008

معجزة للفرح

مسكون أبي بأرضة , وفي نكستة الصحية أصبحت بالنسبة لة رمزا للحياة ولاستمراريتها , وأحيانا أشعرة وكأنة يشحذ من جسدة ومن الأطباء ومن اللة وقتا إضافيا للحياة ليحيي في حاكورتة المزيد من الأشجار والثمار
إنها فرحة وحزنة , أملة ويأسة وهو يكرة مرضة لأنة يبعدة عنها , عندما شخصت حالتة لأول مرة وفي أول مواجهة لة مع الطبيب , كان أول سؤال تساءلة متى سأستطيع العودة للاعتناء بأرضي , وكأنة أم خائفة على أبنائها من اليتم
كل صباح عندما أصل مكتبي أبدأ يومي بفنجان قهوة وحديث هاتفي معة ,فلو جاء صوتة مكتئبا أعرف حالا أنة لم يستطع النزول الى الحاكورة وإن كان مبتهجا أعرف أنة ابتدأ فجرة بين الزيتونات
لم يعتل أبي مقود السيارة منذ مرضة وفي المرة الوحيدة التي شعر بها أنة قادر على القيادة ذهب لشراء شتلة زيتون ليزرعها
قبل أسبوعين سافرت الى أهلي , أول ما وصلت البيت , قال لي ليتك أقدمت المجيء فقد قطف الأحفاد محصول الزيتون , كانت لحظة من العمر
قالت لي أمي لاحقا انة راقبهم من الشباك ولم يستطع الانضمام اليهم
لحصاد الزيتون في فلسطين طقوس وشعائر وأهازيج ,وبعض القرى تأخذ أجازة جماعية من العمل والمدارس للتفرغ لة , إنة عرس فلسطيني
يشتاق أبي الى الحاكورة في كل لحظة ويمنعة عنها ضعفة وجسدة الواهن , أسمعة أحيانا يجلس مع الصغير طفل شقيقتي يحدثة عن كيفية الاعتناء بالاشجار , وكأنة يسلم لة وصية الأرض
والصغير ابن التاسعة يجلس مصغيا ومتابعا وشاردا ما بين ادراكة للمسؤولية التي توضع بين يدية وعجزة عن فهم ما يمر بة جدة , وعن معنى الخوف الذي يقرأة في عينية والانكسار الذي يقرأة في أعيننا جميعا
أشفق علية من حسرة الاشتياق , هل ترافقني للأرض يا أبي ؟ أمسك بساعدي وذهبنا لنتمشى في دروبها , أراني الشجيرات الجديدة التي زرعها بكل ما تبقى في ساعدية الهزيلين من قوة , سنديان وسريس وغار , ليضفي على الحاكورة طبيعة برية جبلية , هل لك أن تتخيلي كيف سيكون الربيع تساءل ببهجة ؟ وطعنني سؤالة كسكين
كيف سيكون الربيع والأطباء يقولون أنك قد ترحل قبل مجيئ الربيع يا أبي
افتعلت الفرح وداريت عيني بنظارتي الشمسية , مررنا بشجرة عبهر تحمل ثمارا كروية صفراء, نبتت على حافة إحدى السناسل , حدثني أن الشجرة نبتت لوحدها من زبل الماعز الذي يستخدمة لتسميد الأرض ويبدو أن الثمرة التي يقتاتها الماعز فيها القليل من السم مع أنها تبدو شهية مغوية , وفي صغرة كان يذهب مع جدي لصيد السمك في جدول صغير يجري في أراضي الجلمة واعتاد الناس أن يطحنوا ثمار العبهر ويلقونها في الجدول فتدوخ منها الاسماك وتطفو على سطح الماء , والجلمة هي أرض سهلية تحاذي جبال الكرمل من الشمال وكان لأهل قريتي الكثير من الأراضي الزراعية هناك ,يصلون اليها بعد مسافات شاقة عبر الجبال والدروب الوعرية مشيا على الأقدام أو على الدواب , لكن أحدا لم يعد يذكر العبهر والوادي والاسماك فالجلمة تعيش في الوعي الفلسطيني الأن بسبب سجنها الذي يأسر بين أسوارة الكثير من المعتقلين السياسيين
كانت نتائج الفحص الطبي الأخير الذي أجراة ابي صادمة جدا لنا جميعا , هل نحن على شفير النهاية؟ انقسم اخوتي ما بين اليأس الشديد والانكار
أما أنا فعدت للاستغاثة بالجوجل فبعد فشل الطب في علاجة , أخذت أبحث في مواقع للعلاج البديل , أجريت اتصالات مع منظمات طبية عالمية ومؤسسات أبحاث أمريكية وأوروبية وصينية ودخلت في منتديات لناس يعانون من هذا المرض , أبحث لأبي عن معجزة تبقية معنا حتى الربيع وما بعد الربيع
وإذ أرهقت من النيت إكتفيت بالانعزال وممارسة حزني , فقط أنا ونفسي , أبتدأ كتابا وأضجر , أعجز عن التركيز وأتهم الكاتب بالملل فألقية في أي ركن منتقلة لأخر ,حتى هجرت الكتب كلها ويأست إسطواناتي الموسيقية من إهمالي لها فتدثرت بالغبار والصمت , وأصبحت خرساء شقتي
استطعت أخيرا من التوصل الى طبيبة صينية أعطتني نوعا من الأمل , يقول البعض أنني أوهم نفسي فليكن سأعتلي أوهامي ولا يهم كم سيكون سقوطي مدويا , انا لا أتحصن بالوهم إراحة لنفسي , بل لأنني لم أعد قادرة على التعايش مع ابتسامات الطمآنينة الكاذبة التي أعطيها لأبي , أنا أريد أن ابتسم لة بصدق لكي أعفية من شفقتي علية , ولو أنني في داخل داخلي في ذاك الركن البعيد الذي ألقيت الية بالحقيقة الصادمة أعرف أنني أكذب على نفسي
صحوت يوم الجمعة الماضي , يوم عطلتي الأسبوعية وأنا أشعر بوهن شديد في جسدي , نظرت الى مرآتي وهالني منظري الذاوي فتوقفت أمام نفسي طويلا
كنت قد إلتقيت بأحد أصدقائي قبل ذلك بأيام فوجدتة هو الاخر في حالة شديدة من اليأس والعزلة , إنني أبحث عن معجزة للفرح قال لي وإذ كان هو صامتا انطلقت أنا في مونولوج لا أدري كم سمع منة في شرودة الذهني , أتساءل عن معنى السعادة وعن إن كانت الحياة قد بخلت علي أم أنني أنا التي اطلب منها الكثير , وعن الغربة والإغتراب والتية والتشتت والبحث عن الأمان وعن أصدقائي المصريين وكأبتهم المعدية وعن فلسطين ومصر التي إنزلقت من تحت أقدام ابنائها فاغتربوا هم بدورهم في أرضهم, وعن مرض أبي وكأبتي وحزني وأمالي و أوهامي ويأسي وعن ألام أبي وألام أمي وألامي , عن معنى الألم في حياتنا , من أين يأتي ولماذا يأتي , لماذا يختارنا دون الأخرين , أم أننا نحن الذين نختارة وهل باستطاعتنا التعايش والفرح معة بدون أن نهرب إلى تأمل كالصلاة أو نلجأ الى شفيع كالأنبياء والقديسين , الى طريقة لشيخ صوفي أو الى ملجأ كاللة, وهل قدر لأحد أن يعيش بدون حزن وكيف يكون طعم الحياة بدون ألم
وعن رحلتي اللامنتهية في مكامن ذاتي , وعن رحلتي مع الدنيا التي وصلت بها إلى حيث أنا الأن وحيدة ومسكونة بهوّ عاطفي وفراغ أمومي
وعن المرأة التي أصبحتها وعن إن كنت أنا التي صممت سيناريو حياتي أم أنني شخصية قدرية من تصميم ذاك السيناريو وإن كنت عدت إلى الوراء فهل كنت سأختار شريط أخر لحياتي ولو كان قدر لرحلة حياتي أن تعبر في المسارات التي حلمتها في طفولتي أو مراهقتي وشبابي , فهل كنت سأصل الى أعمق غياهب نفسي , هل كنت سأكون أنا هي أنا ؟ هذة المرأة التي هي أنا الأن؟ أم أخرى أجهلها و تجهلني, ولو لم أكن قد أصبحت ما أنا , لاعتبرت ذلك خسارة لي لانني أحب ما أنا علية وأحب ما وجدتة في روحي ,فربما برغم كل شيئ كنت سأختار نفس ذاك الشريط الصاخب والمرتعش والمبعثر
المهم أنني في ذاك الصباح عندما صحوت واهنة وقفت أمام مرآتي وعاودتني أسئلتي الوجودية , مكررة جملة صديقي , أبحث عن معجزة للفرح , لكنني إذ شعرت بتخاذل جسدي وإذ نظرت الى وجهي المكفهر وجدتني ألخص كل الأسئلة بسؤال واحد , ما الذي أفعلة بنفسي؟
لقد أرهقتني يا أنا , شعرت أنني أظلم نفسي , أسجنها أسيرة متاهاتي , وأتوة أنا عن دنياي وحياتي , لم تحصل معجزة لكنني ولسبب أجهلة أعيش الأن في حالة من الصفاء الذهني وكأن رأسي فرغت من جميع تساؤلاتي , لا أنتظر معجزة للفرح بل وكففت عن البحث عنة
في ذاك اليوم أخرجت اسطواناتي التي أحبها ودندنت معها ورقصت معها وطبخت أكلة شهية أحبها ودعوت إحدى صديقاتي للغذاء وإخترت ملابسا بألوان فاقعة وخرجت ليلا مع أصدقائي واحتسيت البيرة وكان بامكاني أن أضحك بل وأن اقهقة في الضحك
وفي الطريق الى عملي بانت لي القاهرة جميلة بازدحامها وعشوائياتها وحتى بالزبالة في شوارعها , وأصبحت أفتح باب مكتبي الذي اعتدت إغلاقة في الاسابيع الماضية وتمكنت من التركيز في عملي والمضي في حل كل المشاكل التي ركنتها وتكاسلت عن مواجهتها وعدت لاحياء الضجيج في ادارتي وبعث الحماس من جديد في فريقي العمل ومشاركة زملائي في الغذاء اليومي من الفول والطعمية والمش والفطير بالسجق والجبنة البيضاء والجبنة الرومي والقشطة والمربى والعسل
ورجعت لكتابتي واستطعت أن اكتب ما كتبتة عن أبي بدون أن أبكي

Sunday, October 12, 2008

على شفير الهاوية

أعود بذاكرتي لذات ليل شتاء قاهري ,كنت أمشي في طلعت حرب, المحلات مكدسة بالبضائع , ملابس وأحذية بألوان فاقعة صفراء زرقاء حمراء خضراء , والشوارع مزدحمة بالشباب والصبايا والعائلات وعيون تطل علينا من وراء ستائرها المسدلة السوداء , في مصر يطلقون العشوائيات على بعض المناطق الشعبية إنما مصر برمتها أصبحت حالة عشوائية إختلط فيها الحابل بالنابل , قد أكون ذكرت هذا في أكثر من موقع لكن تتمثل لي عشوائية مصر كلها في لبس النساء المتنوع من أحدث صرعات الموضة الى الحجاب بأشكالة وطرق ربطة المختلفة , الى العباءة , الى الشادور فالنقاب وقد تتجمع هذة التناقضات كلها على جسد واحد عندما تلبس كثير من الفتيات ملابس الستريش الشديدة الالتصاق بالجسم وتلف رأسها بحجاب , أشفق على المرأة في حالة التية هذة , في هذة التخبطات التي تواجهها منذ بداية مشوار حياتها فتتخبط معها الأماني والأحلام والطموحات , وتتعثر رحلة البحث عن الذات في هذا السؤال الشاق الأول , الى أي من هذة النساء أنتمي ؟
هل ذاك فرض أم إختيار؟
وليس السؤال كم ستحجب من وجهها أو من جسدها بل كم ستحجب من ذاتها من كيانها كأنسانة وكامرأة ودورها كمواطنة في هذا البلد
وقد لاتتساءل هي ففي حضارة اليقينيات تنحسر كل الاسئلة وتبتلع الارادة الذاتية في هيمنة التيار السائد لتنجرف معة حتى تصبح المرأة نفسها من صانعي الاجحاف بحق ذاتها
قبل اسبوع سمعنا ثانية عن حوادث تحرش جنسي في أيام العيد ودائما وتلقائيا نثور ونغضب ونستفز ونصف هؤلاء الشباب المعتدين بالوحوش ,وهذا طبيعي , انما أنا لا أستطيع الا ان أراهم ضحية فلا يمكن أن نفصل سلوكهم عن السلوك العشوائي لهذا المجتمع , حيث المنظومة الاجتماعية والسياسية برمتها قد تهاوت وانهارت وتشرذمت ومسخت فولدت أمساخ على شاكلتها , هؤلاء هم أبناء مصر المشوهين
لم تنهار صخور الدويقة وعمارات الاسكندرية ولم تغرق العبارات وتحترق المصانع والمسارح والقطارات فحسب , بل إن مصر كلها قد أصبحت على شفير الهاوية
وأعود لطلعت حرب , فأمام واجهة أحد محلات ال م م الفاخرة حيث خلا المكان من المتسوقين لغلو الأسعار رأيت منظرا استوقفني وجمدني , كان ما بدا لي كجثة صغيرة تكورت داخل كيس من الخيش ولم يبدو منها سوى فروة الرأس , توقف بعض المارة معي وحبست أنا أنفاسي الى أن رأيتة يتحرك , وسرعانا ما أدركت أنة أحد أطفال الشوراع فمضيت مثلما مضى بقية المارة , مثلما نمضي بسلام أمام كل ما هو قاهر ومجحف وظالم حولنا
المهم أنني تذكرت هذة الحادثة عندما ذهبت قبل بضعة أسابيع برفقة طاقمي العمل لافطار رمضاني في وسط البلد وكنا قد ذهبنا بعد الافطار لنحتسي القهوة والشاي في احد المقاهي بجانب القهوة الخضراء في شارع المشاة ما بين صبري أبو علم وقصر النيل
غالبا ما أمر في هذة المنطقة ودائما ألاحظهم هناك ولكن في ذاك اليوم أذهلني وأرعبني وهزني حضورهم السائد , ربما لأن الوقت كان لا يزال بعد الافطار ولم تمتلئ الشوارع والمقاهي بعد فهيمنوا هم على المكان , إنهم أطفال الشوارع
جلست أحتسي قهوتي ووجدتهم يحاصرونني من جميع الجهات , منهم من يبيع بعض المستهلكات الرخيصة ومنهم من يشحذ, أي حاجة والنبي يا أبلة حتى لو ربع جنية , على سور حديقة مجاورة للمقهى جلست طفلتان لا تتجاوزان السادسة بوجوة مغبرة وملابس رثة وشعر طويل أشعث , إحداهما كانت ربما أكبر قليلا في السن والجسد من الأخرى , فأخذت تعبث بشعرها ثم أوقعتها على الأرض وسحلتها وألقت نفسها فوقها فأخذت الصغيرة تبكي ولا أحد يسمعها ,يا الهي أي شياطين تسكن هؤلاء الصغار ؟وأي لامبلاة , أي بلادة تسكننا نحن الكبار
طفل في الرابعة كان يبيع جوارب نسائية صينية , اقترب مني واختار لي جوربا منسوجا من خيوط فضية وذهبية ومدة الي , عيونة الكبيرة الخضراء المتوجة برموش كثيفة طويلة سوداء تطغي على وجهة وتسلبك الية , حدقت بة طويلا وسرحت في كيس الخيش , ومن ثم رأيتها هي , لم تتجاوز السنتين ونصف , بائعة الكلينكس ,وقفت تحدق بي فابتسمت لها , شعرها قصير لم ينمو جيدا بعد , لم أستطع أن أميز إن كانت بنت أو ولد سمعتني أسأل زميلي إن كان هو يميز , فأتت لتأكد لي أنها بنت واسمها على , بالكاد فهمنا كلامها أنا وزميلي , اتخذت لها مقعدا بجانبي بصعوبة اعتلتة وانطلقت تحدثني بأبجديتها البدائية المكسرة التي لم أفقة منها شيئا , نظرت حولي أبحث لها عن إخوة عن أهل كان الجميع غافل عنها
أصغيت اليها جيدا أحاول أن أفك طلاسم كلامها بدون جدوى , أخذت منها كيس الكلينكس وأعطيتها بعض جنيهات فرحت بها وانزلقت بجسدها الضئيل عن الكرسي وتركتني الى حيث لا أدري
كم كانوا؟, لم أحصي ربما عشرات , ,إنما في مصر كلها يقدر عددهم بالمليون
قد يثيرون شفقتنا وقد نمن عليهم بابتسامة أو بعض جنيهات نشحذ بها راحة لضمائرنا, وقد نلقي اليهم بما تبقى على موائدنا من فتات وأحيانا قد نشمئز ونقرف منهم بل وقد نلومهم على تشوية المشهد العام وتعكير صفونا النفسي , وأحيانا قد نكتفي بأن نكشهم عنا كالذباب
وما نثير نحن فيهم سوى الأحقاد ؟
من أين يأتون وأين ينامون لا نعرف وأحيانا كثيرة قد نتساءل إن كان لديهم أهل أو سقف يأويهم أو رغيف عيش يسدون بة رمقهم , لكننا أبدا لا نتساءل إن كان هنالك من يغسل عنهم غبار اليوم بشامبو معطر وحمام دافئ ويأخذهم الى السرير للنوم ويدثرهم ببطانية زاهية الألوان ويهلل لهم تهليلة أطفال ويروي لهم أساطير وحكايات ويوقظهم صباحا بحضن وقبلة ويعد لهم كوب شوكولاتة ساخنة وزوادة مدرسية ويسرح شعرهم ويعقص ضفائرهم ويشتري لهم فلة أو باربي أو سوبرمان أو دفتر رسم وألوان
لأنهم جيل ينمو بدون طفولة , جيل لا يعرف قصص الجميلة النائمة والأقزام السبعة وسندريللا وليلى الحمراء , جيل لا يعرف سوى الشوارع وقصص الشوارع وأخلاقيات الشوارع
انهم مجتمع جديد ينمو في مصر , بداخلنا انما بمنعزل عنا , لنا دنيانا ولهم دنياهم , لنا عالمنا ولهم غابهم وسلوكياتهم وقوانينهم
وذات يوم لن يعودوا أطفال وأحقادهم التي ما زالت في براعمها ستنمو أشواكا في أرض هذا المجتمع وإن كانوا الأن يملؤون الشوارع بضحكاتهم الطفولية فسيأتي اليوم الذي ستتوحش فية مخالبهم وتجتاح دنيانا وتنهش فينا جميعا

Monday, September 15, 2008

ما كناة وما أصبحنا علية

أحب هدوء العصاري في هذة الأيام الرمضانية
قطري يشحن سيارتة اللامبورجيني الى لندن جوا لتغيير زيتها
قرأت هذا الخبر صباحا على العربية , يا فتاح يا عليم يا رزاق يا كريم جملة تنطلق من أمي أوتوماتيكيا كلما تسمع خبرا مزعجا في الصباح
كم يستحق هذا الخبر أن نتوقف عندة ؟ لا شأن لي بهؤلاء وأنا طالما حاولت التخلص من التهمة التي تلبسني كعربية بالانتماء اليهم , على فكرة وعذرا أنا لا أعمم وإن كنا جميعا نعمم في حكمنا على الخليجيين , أنا أقصد هؤلاء الذين ينعمون بالأرزاق والمبايعين لسنة النفط والمكفرين لكل ما هو إنساني , لا أعمم وما زلت دائما أبحث عن وجه الانسان الذي حجب ما وراء سواد النقاب وكثبان الرمال , إنما هذا الفحش شئنا أن نواجهة أم إخترنا أن نتجاهلة كان وما يزال من سماتنا نا , نا , نا , نعم نا نحن العرب أينما كنا من القاهرة ودبي حتى اكسفورد والشانزليزة , وهو لا يختلف كفكرة عن الملايين التي يصرفها المصريون أو السائحون العرب في محلات لأشهر الماركات العالمية في سيتي ستار الذي يبعد كيلومترات معدودة عن حي الدويقة , ولا يختلف عن ملايين الدولارات التي دفعت لقتل سوزان تميم , ولا يهم من كان القاتل هشام طلعت أو غيرة ,ولست بشأن قضية تميم الأن , إنما ثانية هذة الملايين من الدولارات التي تهدر للكماليات , فأن تدفع مبلغا كهذا لتقتل بدافع الغيرة أو الانتقام هو أيضا من الكماليات
كان صديقي العزيز الفارس الأخير قد كتب بوست بعنوان كيف تصنع شيطانا في سنتين في سردة لسيرة محسن السكري , ونفس السؤال كنت وما زلت أتساءلة منذ سنين وأنا أرى من إعتبرتة من أعز أصدقائي يتحول الى شيطان يوميا أمام عيني
في أول اسبوع عمل لي في مصر , ذهبت برفقة ذلك الشخص , وهو زميل لي في العمل , الى حي الدراسة , مكان مولدة , منة مشينا الى شوارع النحاسين والمعز وبين القصرين , الى الحسين فالغورية فالخيامية وباب زويلا , أتيت بك الى هذا المكان لاني أستشعر بك حب مصر وأنا لن أتي لهذا المكان الا مع من يحب مصر , قال لي
من أعرق بواباتها أدخلني القاهرة أنا الغريبة المغتربة وكان هو أول صديق لي في هذا البلد
دائما في أحاديثي مع زملائي العمل الذين عرفوة منذ البداية مثلي ,نتسائل هل كان هو دائما شيطانا ونحن كنا ملائكة حتى السذاجة , أم كان فعلا ذاك الطيب الذي كان يشاركنا العيش والملح ويغمس معنا المش والعسل والفول من طبق واحد في إستراحات الغذاء ,فإن كان دائما مخادعا تؤرقني سذاجتي وإن كان كما كنا نراة يؤرقني أحد أكثر الأسئلة حضورا في حياتي ,كيف نحن نتغير في أهوائنا ,في مواقفنا في إعتقاداتنا وإعتناقاتنا , في غرائزنا واحتياجاتنا , في طموحاتنا , في ما نحب وما نبحث عنة وما نصبو الية , في نظرتنا للأشياء في فهمنا لها وتفاعلنا معها, وأنا لا أتكلم على مرحلة ما قبل النضوج , ما قبل الوقت الذي نعتقد فية أننا نضجنا وأننا واعين ومدركين تماما لما نريدة في حياتنا ومتواصلين مع ذاتنا , وهو سؤال طالما اتساءلة أيضا في إستعادتي لشريط حياتي كلها , لتجارب كانت في وقتها تشعل بي ثورات حسية , والأن إذ بهتت إذ خمدت إذ إنطفأت إذ أصبحت رماد , إذ تناثرت , أتساءل كيف كان يمكن لكل ذلك العنفوان الحسي وذاك الزخم العاطفي الذي كنت أحملة لفكرة , لحلم , لمكان , لشخص ما , أن ينزلق مني , أن يتبخر من مساماتي وكأنة ما كان , كيف كان يمكن لأحاسيس كانت هي أنا , ما أضحكني وما أسعدني وما أبكاني , لمشاعر اعتقدتها راسخة في أعماقي أن تقتلع من جذورها وتحدث بي هكذا خواء , كيف في كل هذا الخواء الذي لا قرار لة في داخلي لا تجد لها منفذا مهما حاولت إستحضارها , كيف ممكن أن تبدو لي الأن ساذجة عندما في وقتها كانت في منتهى العمق , كيف تبدو لي الأن زائفة وقد كانت أكبر صدق , كيف فقدتها وكانت أعز ما ملكت
هل كانت كلها أحاسيس خاوية , متوهمة , منسوجة من خيال من وحدة ومن ملل ؟ أم أنا التي تغيرت؟ هل غيرتني تجارب حياتي أم أنني أبدا لم أعرف ذاتي ؟ وهل أصبحت أعرفني الأن ؟ هل سبرت أغوار روحي وهل إرتقيت الى ذاك التناغم , الى ذاك الانسجام المتكامل مع نفسي مع روحي وعقلي وقلبي وجسدي ؟ أم محكموم علي أن أبقى أبدا هكذا هائمة في متاهات ذاتي
أحاسيسنا هي أعظم كنز لنا , كم نحن فقراء بدونها فليس بالخبز وحدة يحيا الانسان , حتى في تجربة أبي أشعر في بعض اللحظات أنني أنا وعائلتي بوركنا بدفق من المشاعر فجرتها فينا هذة المعاناة وعلى قدر ما هي عنيفة بقسوتها الا انها روت روحنا وغسلت ما علق فيها من تراكمات حادت أحيانا بيننا , وأرعشت حياتنا باعصارات عاطفية تنعف بنا أحزان ومن ثم تملؤنا سكينة , وفي حلكة سوادها تجعلنا نرى زهاء الألوان الأخرى فينا وحولنا
شتت ,أعود لذاك الصديق الغابر , والحقيقة لا يمكنني أن أسمي ما مر بة تغيير بل أنة طفرة شيطانية , هل ولد صديقي من جينات شريرة ؟ هل الشر عامل جيني ؟ غريزي ؟ بيئي ؟ هل كان مرة كما كنت أراة جميل الروح ومسخ بفعل ما نراة جميعا حولنا هنا من تناقضات , من الدويقة وحتى بورتو مارينا , من اللامبورجيني التي شحنت جوا من قطر وأمثالها في مصر الى المترو الذي عفا عنة الزمن والأتوبيسات التي اهترأت وما زالت مكدسة تترنح في الشوارع فاقدة الاتزان وتنفث في سماء القاهرة دخانها السام الأسود, من محلات الأكل الأمريكي السريع التي غزت القاهرة كالفطريات الى الوجوة البائسة في طوابير الخبز , من المتأنقين بربطات عنق جيفانشي وفرساتشي وغيرها الى الملابس الرثة والغبار المتراكم على وجوة أطفال الشوارع
أم هي أبواب الفساد التي فتحت أمامة على مصراعيها من جميع الهيئات الحكومية التي نتعامل معها , وجرفتة الى وحولها حتى غرق فيها من أعلى رأسة الى أخمص قدمية , فدخل راشيا وخرج شريك رشوة أو مرتشي
أحيانا يكون فوق مقدرتي العقلية والانسانية أن أستوعب كم بات شرها جشعا نهما , هو الذي كان يغدق على كل العمال عطاءا ودعما ماديا أو عاطفيا , وكم صار بالنسة لة هكذا سهل أن يؤذينا نحن من كنا أعز أصدقائة , وكم أصبح بالنسبة لة عادي بل وفطري أن يرمس من أمامة ويسحقة ويذبحة نفسيا
هل يعقل أنني كنت الى هذة الدرجة ساذجة؟
أتسائل أحيانا كثيرة عن مسؤولية هذا الشعب عن مأسية وأنا أرى كيف يجبن العمال أمامة ,ويقفون في حضورة , كيف يتملقونة وكيف ينحنون لة رغم كرههم لة وكيف لا يؤرقهم ما أل الية على قدر ما يتمنون ذلك لأنفسهم

ليس باستطاعتي الخوض في الكثير من التفاصيل , فاسمحوا لي أن أعيد عليكم بعض السطور التي كتبتها في مدونة سابقة

والفساد أشكال وانواع ومشاهد تذكرك بفيلم هابط سيئ الإخراج
لكنة مهما تنوع من رشاوي جنسية او مالية ومن إمتلاك ما تهواة من العاملات الاناث , أو توظيف من تشاء من أقاربك معدومي الكفاءات أو تولية عشيقتك الأمية أو قريبك الجاهل وظائف تفوق ذوي الخبرات والشهادات , والاختلاس الشرة لما تقع علية يداك , ومهما تضمنتة أساليبك من إذلال ومهما إحتواة كلامك من شتائم واحتقار يبقى الخوف سائد وتبقى الرؤوس مطاطئة وتبقى نعم حضرتك وسيادتك يا أفندم هي الرد الوحيد وتأمر يا باشا فنحن نحبك ونخشاك كثيرا لكننا نكرهك كثيرا كثيرا ونحقد على سياراتك ونسائك إنما نحترمك لمالك وجاهك

في ذاك الحينعندما كتبت لكم هذة السطور لم اعترف لكم أن ذاك الباشا الفاسد كان يوما صديقي

Sunday, August 10, 2008

سبات الأحلام

أنوبيس أتانا ليخطف منا محمود درويش في سرير الغريبة
الفارس ترجل وترك الحصان وحيدا لكنة لم يمت هو فقط بدل عالما

الى أين تمضي يا فتى في زورق الأوذيسة المكسور
الى زهر اللوز أو أبعد

كان مؤلما أن يرحل درويش في هذا الوقت بالذات , هو الذي رسم فلسطين لوحة عشقية وتوجها إلهة كعشتروت كافروديت , هو المرتحل الأبدي اللاجئ , الذي كان رمزا للمنفى الفلسطيني فرفع قضيتة عاليا في كل المنابر , منتصب القامة مرفوع الهامة سامقا كبطل إغريقي كأوليس , كان مؤلما أن يمضي في هذا الوقت الذي قبح فية وجه فلسطين وقزمت قضيتها الى مجرد اقتتال داخلي دامي ما بين فتح وحماس
هل كان موتة في هذا الأوان بالذات صدفة؟
الشاعر لا يريد الموت رغما عنة

هل كان علينا أن نسقط من عُلُوّ شاهق، ونرى دمنا على أيدينا... لنُدْرك أننا لسنا ملائكة.. كما كنا نظن؟ كم كَذَبنا حين قلنا: نحن استثناء

درويش يا من سخرت لفلسطين العبادة والشعائر ورصعت إسمها باللازورد والدرائر يا فتاها البهي , يا أيها الغائب الحاضر , هل تعبت من السفر ؟ قلوبنا لك مرفأ أخير وحلمك دوما بنا سيعيش
عذرا لأنني اضطررت أن أزخرف مرثاتي لك بمفرداتك , فلا مفردات عندي تليق ببهائك , نحن الأن نقرأ شعرك كملحمة رثاء طويلة لرحيلك
مشوار درويش انتهى وفي زوبعة الهواجس التي تسكنني منذ تجربة أبي كل المشواير تتداخل عندي ببعضها
في لحظاتي الوحيدة في شقتي المصرية , في مكتبي , في التاكسي في الشوارع أصبحت أسرح كثيرا فيما مضى من حياتي هربا من حياة أبي الحاضرة التي يتربص لها شبح أنوبيس
كنت في الفترة التي سبقت مرض أبي , أحلم ببدايات جديدة وأخطط لمشوار بعيد بعيد أكتشف بة عوالم تغويني ولم أدخلها بعد , تغيير عمل , مكان , دراسة, لكن هول الصدمة شل كل شيء وأخرس تغريد أحلامي
عندما أسافر الى أهلي أستجمع كل ما بي من قوة للمواجهة, أحاول أن أفهم , أن أدرك, أن أعي ما يحصل لأبي أجد أخوتي في حالات متفاوتة من الاستيعاب والانكار ومن التماسك والانهيار , يتناوبون الأدوار ما بين الضعف والقوة ,ودور القوي هو من أصعب الأدوار اطلاقا وعلى كل منا أن يبقى دائما على أتم التأهب لأن يكون الضحية ويتقمص هذا الدور لحظة انكسار الأخرين
أما أمي فهي في حالة مستمرة من الانكار ,أمي تتجاهل مرض أبي , تتناساة , تطوية في خبايا ذاتها لينهش في جسدها المنهك ويحدث فية أوجاعا متوهمة تهرب اليها لتعيش بها مغلقة على نفسها , أوجاعا أصبحت لها ملجأ من الخوف الذي تفضحة أعيننا والألم الذي تشي بة عينا أبي , ملجأ من ذعرها هي على أبي
وأنا تعبت من خوفي عليهما معا , هذة التجربة استهلكت كل ما بي من طاقة عاطفية وفكرية حتى إنكسرت وإنكسرت معي أمنياتي وإذ أحاول تجميع حطامي لكي أظهر قوية من أجلهما ومن أجل إخوتي , وألئم حزن عيني وتعابير وجهي المتعبة من أرق ومن قلق في شبح ابتسامة أطمئنهم بها كذبا , يلتئم ما تناثر من شظايا أحلامي في حلم هش صغير بأن يشفى أبي وتجتاز عائلتي محنتها ويبتعد عنا شبح أنوبيس
سمعت أبي يقول لأحد أصدقائة , العمر غفلة , ومن مشوارة الذي تعب أعود الى مشواري وعشر سنوات أو أكثر في مصر مرت كغفلة
وأذكر عمري المصري بالذات ليس لأني لا أحسب عمري الذي مضى قبل ذلك إلا أن قرار مجيئي الى مصر كان حدثا فارقا بالنسبة لي وسنوني هنا حسمت الى حد كبير ما ألت الية حياتي الان
قبل أن أتي في مصر كنت قد زرتها قبل ذلك بسنين كثيرة مع عائلتي للقاء ابن عمة أبي وليد الاسكندرية وعائلتة الفرنسية وعشنا معهم لمدة أسبوعين في شقة لاصدقاء لهم في المعمورة وكنت اذ ذاك في بداية مراهقتي فأغرمت بإبنة فرنسي الملامح الذي كان من سني وكنا ننزل ليليا أنا وهو لنتمشى على الشاطئ ونشتري غزل البنات وفي بالي تغني فيروز شط اسكندرية يا شط الهوى رحنا اسكندرية رمانا الهوى
وبقيت هذة الأيام عالقة بذاكرتي , وهج الاثارة الاولى والحب الطفولي الساذج , وعندما انتقلت للعمل والاقامة في مصر كان ما زال يسكنني ذاك الحنين , ليس لابن العم الفرنسي انما لتلك اللوحة التي وكأنها أخذت من أحد أفلام الأبيض والأسود التي كانتها لي مصر
وفي الأساس كانت لي مصر وطن عربي لجئت لدفئة من صقيع غربة في بلاد سلبت مني إحساس الوطن
لكن مصر على قدر إحتضانها لي لم تكن لي وطنا لأنها دائما تعاملت معي من خلال جواز سفري الذي شوهة فلسطينيتي , وأنا إذ لا ألوم مصر , لكنني أيضا لا ألوم نفسي وليس بي أي إحساس بالغضب على نشأتي أو هويتي , أنا فلسطينية الأبجدية والمفردات , فلسطينية الاسم والسمات والقسمات , فلسطينية الروح والقلب والأمنيات وأي جواز سفر لن ينتزع مني ذلك
مصر التي قدمت اليها بخطوات واثقة لم تهيئ لي يوما موطئا لقدمي فبقيت معلقة بتصريح عمل هش , تجديدة أو عدم تجديدة يتعلق بمزاج موظف حكومة لا يفقة معنى أن تكون فلسطينيا من حيفا وكأن حيفا ليست فلسطينية ؟ وكأن حيفا كانت أبدا اسرائيلية؟؟
ذكرت لكم سابقا أن الوطن هو المكان الذي بامكانك أن تحلم بة وأنا في حياتي المتأرجحة تعبت سفينتي وكنت دائما أحلم بشاطئ القي علية مرساتي وأرض أزرع بها أحلامي , فأنت لا يمكن لك أن تحلم حيث لا أرض لقدميك , واذ طال تشتتي من مرفأ لأخر واذ زاد إغترابي عن هنا وعن هناك وجدتني أعيش أحلاما مؤجلة
أخشى دائما أن أبتدأ في شيء وأعجز لاحقا عن إتمامة لأنني في أي سنة من سنيني العشرة تلك لم أعرف أبدا أين سأكون في السنة القادمة , أمشي في الشوارع أمارس اغترابي عن الناس والأشياء , أتخبط بمتاهاتي بتساؤلاتي التي لا تنتهي , هل أنا أنتمي الى هذا المكان هل بوسعة أن يحتضنني , هل يسع أحلامي الكبيرة , هل سيأخذ مني كل ما أود أن أعطي ؟ هل أعطاني السعادة ؟ هل أفهمة , هل يفهمني ؟ وهل سأقضي العمر هنا؟
حتى المسرات الصغيرة كنت أؤجلها , كأن أشتري مثلا لوحة أحبها أو قطعة أثاث أزين بها شقتي , لانها كانت بالنسبة لي شقة ولم استطع أن أسميها أبدا بيتي , وحتى لو حاولت أن أشير اليها وأقول هذا هو بيتي , مفرداتي كانت دائما طوع أحاسيسي فتلك هي شقتي
ربما غربتي هي أمر حتمي لا علاقة لة بالزمان والمكان على قول أحد أصدقائي , هل أنا منعزلة أم أنا حالمة؟ الاثنان واحد , فالعزلة والاحلام مترادفان , مترافقان متجاوران فينا ولو كنا وسط الزحام
أحيانا أفكر أنني بمشواري حاذيت الحياة وأحيانا أفكر أنها سحبتني معها كسيل جارف ومرات يهيأ لي أنني لم أعشها ومرات أحسها فائرة بداخلي تتهدج بي بكل ما حييتة من تجاربها الحلوة والمرة وكل ما خضتة من صخب معاركها وصراعاتها
وإستحضاري لتجربة حياتي الأن ليس فقط هروب من محنتي الحاضرة بل أيضا محاولة للتواصل مع نفسي من جديد , فأنا أشعر أنني في غرقي في هموم أهلي إنفصلت عن ذاتي وتهت عن أحلامي عن همومي أنا , عن إحتياجاتي
أصبحت فقط الابنة لوالدي والأخت لأخواتي ونسيت كل ما عدا ذلك ,نسيتني أنا , حتى بت أشعر أنني ما عدت أعرفني , أنا من أنا , على أي صورة صقلني ماضي وكيف نحتتني ذكرياتي وبأي عبق تشربت عروقي وبأي ألوان ترسمني أمنياتي
كل ما عشتة من مشاعر وما تذوقتة من حواس تسرب خارج شراييني , ما عدت أعرف ما الذي أريدة والى أين أمضي , ما الذي يسعدني ما الذي يثيرني ما الذي يؤججني ما الذي يحيي الفرح في , ما الذي يوقظني من سبات حواسي وما الذي يرعش ما همد من براكيني
وكأن هنالك هوة شاهقة ما بيني وبين تلك المرأة التي إنعزلت في أعماق روحي , أنظر اليها ولا أراها , أناديها ولا تستجيب , وكأنني أصبحت عن نفسي غائبة عن أصدقائي غائبة , أجدني أثرثر معهم في أي شيء وتبقى هي بداخلي صامتة , تنعف بروحي عاصفة خرساء ومن ثم تنحسر الى عمق أعماق ذاتها حتى الاختناق
هنالك بصيص ضوء

الرحيل الأخير

كم كنت وحــــدك ، يا ابن أمّي
يا ابن أكثر من أب ٍكم كنت وحـــــدكْ
هي هجرة أخرى فلا تكتب وصيتك الأخيرة والسلاما

وكأنني قد متُّ قبل الآن
…أَعرفُ هذه الرؤيا ، وأَعرفُ أَنني أَمضي إلى ما لَسْتُ أَعرفُ
رُبَّما ما زلتُ حيّاً في مكانٍ ما، وأَعرفُ ما أُريدُ
…سأصيرُ يوماً ما أُريدُ
ان لم تَكُنْ مَطَراً يا حبيبي
فكُنْ شجراً
مُشْبَعاً بالخُصُوبةِ، كُنْ شَجَرا
وإنْ لم تَكُنْ شجراً يا حبيبي
فكُنْ حجراً
مُشْبعاً بالرُطُوبةِ، كُنْ حَجَر
اوإن لم تَكُنْ حجراً يا حبيبي
فكن قمراً
في منام الحبيبة، كُنْ قَمرا

أَيها الموت ، انتظرني عند باب البحر
في مقهى الرومانسيِّين
لم أَرجِعْ وقد طاشَتْ سهامُكَ مَرَّةً
إلاّ لأُودِعَ داخلي في خارجي
،وأُوزِّعَ القمح الذي امتلأتْ به رُوحي
على الشحرور حطَّ على يديَّ وكاهلي
،وأُودِّعَ الأرضَ التي تمتصُّني ملحاً
وتنثرني حشيشاً للحصان وللغزالة
فانتظرني ريثما أُنهي زيارتي القصيرة للمكان وللزمان
،ولا تُصَدِّقْني أَعودُ ولا أَعودُ
وأَقول : شكراً للحياة
ولم أكن حَيّاً ولا مَيْتاً
ووحدك ، كنتَ وحدك ، يا وحيد


نم يا حبيبي ساعةً لنمر من أحلامك الأولى إلى عطش البحار إلى البحارِ
نم يا حبيبي ساعة ًحتى تتوب المجدلية مرة أخرى ، ويتضح انتحاري
نم يا حبيبي ساعة
ًحتى يعود الروم ، حتى نطرد الحراس عن أسوار قلعتنا
وتنكســــــر الصــــــواري
نم يا حبيبي ساعة ً حتى نموت
هي ساعة للانهيار
هي ساعة لوضوحنا
هي ساعة لغموض ميلاد النهار

وحـــدي أراود نفسي َ الثكلى فتأبى أن تســاعدني على نفسي
ووحـــدي كنت وحدي عندما قاومت وحــدي وحدة الروح الأخيــرة

كن جديراً برائحة الخبز
كُنْ لائقا ً بزهور الرصيفْ
فما زال تَنُّورُ أُمِّكَ مشتعلاً
والتحيَّةُ ساخنةً كالرغيفْ

رحل محمود درويش

Saturday, August 02, 2008

بنت الزعل
















مدينة نصر بازدحامها الممل , فصلاح سالم بامتدادة اللامنتهي ,فنفق الازهر بالتفافاتة الثعبانية , فوسط البلد بصخبها
نقطع عدلي ثم شمالا في شارع شريف , أنزل من التاكسي وأعبر القهوة الخضراء بخليطها العجيب , أحاول أن أجد لي طريقا بين الطاولات التي احتلت قسم كبير من شارع المشاة الذي يمتد ما بين صبري أبو علم وقصر النيل , تلفت نظري عجوزتان مسنتان , واحدة محجبة , وأخرى بدون حجاب ووجهة مطلي بماكياج كثيف , تلعبان النرد وتدخنان الشيشة , تذهلني القاهرة بتناقضاتها , بطاقتها على الحياة , كل مرة من جديد
أصل الى طريق معتم في منطقة محاطة بعمارات أوروبية الطراز يشقها شارع المشاة وأشجار نخيل , عن بعد أمتار يلوح لي ضوء , انة النور الأتي من مكتبة عمر , أجدهم هناك , أصدقائي عمر وأسامة ولمة من أصدقائهم ,مدونين , أو صحفيين أو مجرد رواد للمكتبة
انضممت اليهم أستمع لأحاديثهم , أحد الشباب يغطي لصحيفتة أحداث مجلس الشورى فأخذ يحدثنا عن المسرحيات الكوميدية التي تدار بها الجلسات ,وعن نائب اقترح استثناء الأراضي الزراعية من قانون العقارات بما أن البهائم والفراخ التي فيها تمشي وتتحرك
حدثنا أ خر عن محاولتة هو وبعض أصدقائة بتأجير شالية في الساحل الشمالي ,وعندما وجدوا أن أقل شالية قد يكلفهم ستمئة جنية لليوم فكروا متهكمين أن يجمعوا عدد من 600 شخص لكي تكون التكلفة جنية للفرد لليوم بما يتناسب مع قدراتهم المالية , انما ستكون المشكلة من سينام فوق السرير أو تحت السرير أو بجانب السرير وربما في الحديقة أو على الشاطئ
تذكرت أحاديث أصدقائي من مصر الجديدة عن الشاليهات التي تأجر بالف وخمسمئة جنية لليوم أو عن فيلات مارينا التي تتجاوز أسعارها العشرة ملايين
ما زال في هذا البلد خيرات كثيرة وأجملها هؤلاء الشباب
قبل شهر كنت قد أتممت مع إدارة الشركة تحديد الزيادات السنوية لطاقمي العمل , وعلى قدر رغبتي بتحصيل زيادة قصوى لكل منهم, إنما يداي كانتا مكبلتين بالميزانية التي حددتها لي الادارة ,واذ ابتدأت أن أعلمهم واحدا واحدا عن زيادتة , بشكل شخصي مبتدئة بهؤلاء الذين حصلوا على الزيادات الأعلى , طالبة منهم الحفاظ على السرية تفاديا لأي إحباطات لدى زملائهم , فوجئت بهم يعترضون ومن ثم يأتون لمكتبي فرادى أو كمجموعة , يفاوضونني على إعادة توزيع الميزانية بما يضمن المساواة بينهم وبين زملائهم , متبرعين كل بحصة من زيادتة , طالبين مني السرية , حاولت إقناعهم بحقي في تقييم , تقدير ومكافأة كل موظف بمعاييري أنا كمديرة , الموضوع فوق ذلك قالوا لي , الموضوع موضوع صحبة وعشرة ومشاعر
تراجعت أمام طيبتهم , قبلت بعرضهم وقاربت بقدر الامكان بينهم وبين الموظفين الأقل دخلا , الذين فرحوا بالزيادة بدون أن يعرفوا شيئا عن تضحيات زملائهم من أجلهم
تصورا لو في مصر كلها أعيد توزيع الدخل؟
وأعود لمكتبة عمر , إنضم الى اللمة بعض أطفال الشوارع , مصطفى طفل في العاشرة , من الزوار الدائمين للمكتبة , يأتي وسط البلد من حلوان برفقة إخوتة الأصغر منة سنا للتسول أو لبيع الكلينكس , وجهة دائم البشاشة وتلك الليلة كان يبدو وكأن الفرحة لا تسعة بعد الانتصارين المتتاليين الذين حققهما الأهلي على الزمالك فيجلس في المكتبة يداعب مستفزا عمر وأسامة الزملكاويين , يحدثنا عن جدة الزملكاوي , المريض على فراش الموت والذي ينتفض ويقفز من فراشة ليشتم كلما ذكرت أمامة هزيمة الزمالك , يتركنا قليلا ليعود وقد إشترى أصيص ريحان صغير بثلاثة جنية , يخبأة في حديقة مجاورة ويأتينا ثانية وهو يخرج من جيوبة بعض اللب ويعزم علينا جميعا , تنضم الينا إحدى رفيقاتة من بائعي الكلينكس , في سنة تقريبا ,تأتي وسط البلد من شبرا الخيمة , يسرع باحضار الاصيص ليريها إياة , أطلب منة أن يعطيني ورقة ريحان فيعرض علي الأصيص كلة
يقفل عمر المكتبة ونتجة لقهوة الحرية بخليطها الأعجب , نطلب الستيلا ونجلس لنسرد كأباتنا ونضحك على ما حولنا من مفارقات , تأتي بائعة صحف , امرأة أربعينية , بعباءة وحجاب , تحمل على كتفها رزمة جرائد كبيرة وتصيح بأسمائها عاليا , المصري اليوم , الدستور , ... بصوت تحاول جاهدة أن يسمع خشنا وذكوري
أسامة كان قد عمل حفلة غنائية , في ساقية الصاوي قبل أيام قليلة, كان ذلك ربما العرض الرابع لة في الساقية , ومع جمالية أغانية المصرية الروح وكلماتها التي تلمسك في الصميم , ومع شجن ألحانة وحسية صوتة وعزفة وحضورة , الا أن عدد الحاضرين لم يتجاوز أبدا العشرين أو الثلاثين شخصا , غالبيتهم من الأهل و الأصدقاء
من المؤسف أن يكون لدى أسامة كل هذا العطاء وألا يكون هنالك من يستقبلة وكأن أسامة هو أرض مصر الطيبة التي لا يعرف أبنائها أن يأخذوا منها ما تقدمة لهم بذراعين مفتوحين , بميراثيها الحضاري , بنيلها بصحاريها , بشواطئها ورحب أراضيها
بيقتلني حزنك يا زي القمر
يا لوني المفضل
يا بنت الزعل
وعاشقك وشايفك
بتصحي لوحدك وتمشي لوحدك
وتاكلي معاهم ساعات الملل
وفي جوة قلبك كتاب متقراش
لجهل الخلايق لغات الفراش
يا بدء الخليقة يا نور ما نطفاش
برغم القهاوي وكلام الدجل
من أغاني أسامة وألحانة , وكلمات أحد أصدقائة
دائما عندما أسمعها أذرف دمعة وأبتسم , لأنها تذكرني بها , تلك الغريبة الضالة عن المسار , المبحرة ضد التيار , تلك المشتتة المبعثرة , العابثة الصارمة ,المشبعة أحزان ومفعمة مسرات , المنهزمة المتمردة المنزوية المندفعة , البركانية الساكنة , الصاخبة العالية الصمت, الحائرة الشاردة في متاهات ذاتها , الغارقة في أعماق روحها ,الشفافة المعتمة , الهشة المتوارية وراء قناعها الصلب , تلك التي أعرفها وأحيانا لا أعرفها ,المسافرة المرتحلة المتعبة , تلك المتوحدة, تلك المرأة في حالة الغربة

Monday, July 28, 2008

هنيبعل الثاني - عن حازم صاغية

عربيا استمرار المعارك الطائفية في لبنان وأعداد جديدة من القتلى كل يوم
عشرات الجثث في العراق بعد عمليات إنتحارية نفذتها 3 نساء
إنفجارات دامية في غزة ومزيد من ضحايا الاقتتال الداخلي ما بين فتح وحماس
جثث , قتلى , ضحايا ؟ شهداء لشيمة القتل العربية
لماذا أصبح القتل هكذا عادي , هكذا فطري , هكذا سهل عندنا ؟ نحن أعداء أنفسنا وأعداء الحياة
لماذا أصبح الموت هو إختيارنا الوحيد نمضي الية ونحتفي بة , لماذا نهجر الدنيا سعيا الية ؟ بحثا عن الجنة ؟ من قال أن الجنة لأمثالنا , نحن الذين إستدعينا جهنم إلى الارض
لماذا فقدنا الايمان بالحياة , وحولنا الموت الى الواقع الأكثر حضورا في شرقنا , الأكثر دافعا لمسارنا العربي؟
لماذا فشلنا في أن نحيا وكيف أصبح الموت هو وسيلتنا الوحيدة للحياة ؟

مصريا , يبدو وكأن مصر كلها قد إختارت الكأبة , أم الدنيا ومهد الحضارات تنهزم أمام الدنيا وأمام ناسها ليندحر ناسها الى حالة من الركود والاختناق , ولا يهم ان كنت فقيرا تلهث وراء رغيف خبز أو ثريا تحتار في أي من فيلاتك المتعددة ستقضي عطلتك الاسبوعية
وكأن الكأبة أصبحت عرض مصري
شخصيا , ليس لدي الكثير لأقولة لكم اليوم , هذا الأسبوع أبي دخل في معركتة الأخيرة ضد الموت وأنا بعد كل المعارك التي خضتها مع أخوتي في صراعنا مع مرض أبي , سلمت أسلحتي كلها وأخضعت نفسي لغيبوبة فكرية , أنا الأن في حالة طوعية من شلل الحواس في انتظار المعركة الحاسمة التي سيحارب فيها أبي وحيدا مجردا من أي سلاح سوى إختيار الحياة
اعذروا كأبتي , ما زال بامكاننا أن نضحك مع مهزلة ليبية جديدة , أترككم مع حازم صاغية وكوميديا هنيبعل

قبل المسيح بقرنين عبر هنيبعل القرطاجيّ المتوسّط الى أوروبا في ما أصبح مأثرة من مآثر علم الحروب, على رأس جيش من رجال وفيَلة انطلق من شبه جزيرة إيبيريا، مروراً بالبيرينيه والألب، وصولاً الى شمال إيطاليا الذي انعطف منه جنوباً. هكذا راح ذكره مذّاك يتأرجح بين الاستقرار في التاريخ والنوم في الأسطورة
«هنيبعل الثاني», نجل العقيد معمّر القذّافي، عبر قبل أيّام الى أوروبا
ثلاثة وعشرون قرناً فصلت بين الهنيبعلين، وهو زمن كافٍ كي تختفي معه الحاجة الى الفيَلة كأدوات نقل. ذاك أن عصرنا بات، بحسب واحد من تسمياته، عصر الاتّصالات والمواصلات. ووراء التسمية يقيم تراكم مما أنجزه العلم وأنجزته التقنيّة وأتت به أفكار التقدّم وحقوق الإنسان
و «هنيبعل الثاني» استفاد من تلك الإنجازات كلّها التي اشتراها شراءً ولم يسهم في إنتاج مسمار من مساميرها، أو فكّ حرف من حروفها. هكذا آثر أن يصفع عاملين مهاجرين، صدف أنهما عربيّان من تونس والمغرب، في سويسرا. والأخيرة التي لا تملك إلا الترحيب بما قد ينفقه هنيبعل فيها وما قد يودعه في مصارفها، لا تملك أن تغضّ النظر عن سلوك كهذا حين يتقدّم ضحاياه بالشكوى منه. لقد أوقف هنيبعل مدّة يومين ثم أفرج عنه بكفالة، لكن ليبيا الجماهيريّة تهدر، مذّاك، غضباً: توقف إمداد النفط لسويسرا وتمنع السفن التي ترفع علمها من الدخول الى مرافئها، كما تقلّص الرحلات الجويّة بين البلدين وتقفل أبواب مؤسّسات سويسريّة وتطرد سويسريّين وتهدّد بإجراءات هيوليّة أخرى. وفي الآن نفسه تنطلق تظاهرات «اللجان الثوريّة» ضدّ السفارة السويسريّة في طرابلس فيما يتردّد أن الأخيرة قد تسحب ودائعها من المصارف السويسريّة وتطرد شركات سويسرا منها وتقطع العلاقات الديبلوماسيّة معها. ويروح، من ناحية أخرى، محلّلون اقتصاديّون يتساءلون عن احتمال ارتفاع أسعار المنتجات النفطيّة بسبب إجراءات الجماهيريّة العظمى
الأمر تبدو لا معقوليّته مساوية للامعقوليّة ما فعله هنيبعل الأول، إنّما في اتّجاه مختلف. هنا لا تُجترح نظريّات وتطبيقات في علم الحرب، بل يُجهر بالانتساب إلى تقليد تجارة العبيد الذي يوازي تقليد قتلهم في دارفور السودانيّة غير البعيدة. والجماهيريّة سبق أن اشترت «مناضلين قوميّين ويساريّين» من لبنان قاتلوا عنها في التشاد لأنّها معركة متّصلة ضدّ الإمبرياليّة طبعاً. والآن يستأنف التقليد هذا عمله، والتهم جاهزة، كما دائماً، لتصوير الرواية التي صدرت عن سويسرا بالكذب والتلفيق. وطبعاً ستتدفّق تهم العنصريّة والتعالي، وقد تُنسب الى السويسريّين إمبرياليّة مارسوها ويمارسونها سرّاً على رغم تواضع قدراتهم وحياديّة موقعهم. ومن يدري، فالصليبيّة قد تكون جاهزة أيضاً في خزانة التهم الليبيّة بما يعزّز تهمة الامبرياليّة ويقوّيها.
وفي نهاية المطاف ما دخلهم بنا؟ لقد طاب للسيد هنيبعل أن يضرب خادمين، فما علاقة الدول والقوانين؟ وما دام المضروبان عربيّين فهذا يضاعف الشبهة في التدخّل السويسريّ ما بين «أخوة» و «أشقّاء»؟
إنه مصغّر كاريكاتوريّ يلخّص ميلاً طاغياً لدينا لأن نضرب خادماً أو ممرّضة بلغاريّة أو طبيباً فلسطينيّاً أو عاملاً مصريّاً مهاجراً، لأن نذبح الأكراد أو الدارفوريّين، أو نقضم لبنان باسم «وحدة المسار والمصير»...، ثم نقول: نحن أحرار. فإذا ما اصطدمنا بدولة وقانون، وطنيّ أو دوليّ، قلنا: إنها حركة تحرّر وطنيّ في مواجهة الاستعمار

Wednesday, July 09, 2008

وحدة - في السنوية التدوينية

هذا الشهر مرت سنتان على مدونتي , وقد أصبحت بالنسبة لي كما ذكرت مسبقا مرتع طفولة , أو ركن هادئ كالذي كانت جداتنا تتخذنة لحياكة شال صوفي زاهي الألوان , أو مساحة لبركان النفس أو وسيلة أوقف بها مطرقة أفكاري ونقر هواجسي , أو مجرد حاجة للتواصل كما نفعل جميعنا على الانترنت, وتدهشني كمية الفرص التي يتيحها لنا النيت لذلك من برامج الدردشة والفيسبوك وتبادل الكتب والصور والرحلات والتدوينات وغيرها , لكن تدهشني أكثر حاجتنا اليها وإقبالنا عليها , وهي التي لم تكن متوفرة لنا حتى أواخر التسعينات
وقد يأتي ذلك على حساب الشمس والهواء القمر والسماء , دفاترنا , كتبنا , عملنا , الشوراع ,الساحات, السهرات الناس والأصدقاء
هل نحن سخرنا الحاسوب لخدمتنا , أم أن الحاسوب أصبح كيانا حسيا شرة ,مستبد وقادر على إخضاع وتسخير جزء كبير من أوقاتنا لتغذيتة؟
كتاباتي كانت فسيفساء من مشاهدات ,تساؤلات , أمنيات , تهيؤات , قصص من طفولتي , من حياتي , من سيرة أهلي , أشعار مستوحاة من تجارب حقيقية وأخرى محض خيال , محاولات أدبية أو مجرد لهو بالمفردات , أبعثرها أحيانا في مدونات متفرقة أو أشبكها جميعها في تدوينة واحدة
ومع أنها تنزع كثيرا للنوستالجيا , الا أن الانسياق وراء الحنين ليس دائما وبالضرورة قسري على قدر ما هو إختياري نلجأ الية من وحدة من غربة من خواء, ففي ضجيج الصمت يعلو نداء الذكريات

في هذة الذكرى التدوينية , اليكم بعض سطور عن الوحدة

يكون الليل أحيانا شرسا في توحشة ,أهرب منة مستغيثة بالذكريات , أستعيد كتاباتي عنك أجد صفحات متناثرة كأوراق الخريف , بهتت بها الحواس ذبلت معانيها ,شحبت فيها الكلمات ,سطورا كنت أنتقي فيها مفرداتي ,أنمقها , أزوقها ,أرقصها , أشجيها نغمات , أطوعها في إنثناءات وانحناءات, أعريها من حقيقة ما أنت , في محاولة بائسة لاغواء القدر بأن يخط في حياتي سيناريو لقصة عشقية من وحي أمنياتي

عندما رنوت إلي
أوصدت على وحدتي الباب
وفتحت لك أبواب
لتجتاح حياتي
وتحيي ما خبا في

أنا جئتك من أرض أحلامي فرسمتك كما أردتك أن تكون حادا قاطعا صارما شفافا , واستلهمت أهواءك من جميع الفصول فانبعثت بريشتي ثائرا كالشتاء , خريفي الحزن , ربيعي الفرح , كالصيف ناري
ولونتك بألواني التي أحبها ,عميقا كحلي ,أحمرا شهواني , أبيضا كغمامة تحمل وعد المطر , كالأخضر سخي
وعطرتك بتوابل طيبة ونكهات حاذقة وعبق رجولة شرقي
لكنك بقيت لوحة معلقة على جدار خيالي

أنا أتيت اليك من صحراء عزلتي وقفر وحدتي وكنت أنت كالسراب , وعدا مؤجلا لارتواء أتوق إلية

لكنني أمنت بك ومضيت إليك
أخطو على حبال أوهامي , أمد اليك يديي
لأحتويك إلي
لأغمرك دفئا , لأذيب بحناني ما ظننتة قناعا لندبات قديمة , لجراح فيك دملت , أجد يديي معلقتين في ظلام صاقع أجوف امتلأت بة روحك ولا أرض لقدميي
أهوي في فراغ , أنكسر , ألملم شتات بعضي وأصر عليك

وأصر على حماقتي حتى يصبح العشق حالة عبثية , فريسة لسذاجتي يزغللني حبك كخدعة بصرية

فما كان فيك من عنف بدا لي عنفوان
وما كان فيك من كذب خلتة أحلام
و من غرور بان لي رجولة
وأنانية تراءت لي طفولة
ولكل هفوة فيك صممت علة
وسامحتك ومحوت لك كل زلة
واحترفت أنت جرحي
وأحترفت لك الغفران

وأنا إذ أتيتك أحلم بملاذ أمان , لاذت مني أحلامي وضاع أماني لديك

ومنك أعدتها يدي
وعادت وحدتي إلي
تسكن روحي
وتوصد الباب علي

Wednesday, July 02, 2008

التفاصيل الصغيرة

في الفترة الأخيرة وبسبب مرض أبي أسافر كثيرا الى البيت ,وقد قضيت عطلتي الأسبوعية الاخيرة هناك
صباحا على ربوع قريتي , ركوة قهوة , لبنة , زعتر , زيت وزيتون , أبي , أمي وأخوتي
ظهرا يأتي الأحفاد من المدينة , استعيد برفقتهم طفولتي , أطبخ لهم المعكرونة ونجلس للغذاء , أسألهم عن مدرستهم ويسألوني عن أبو الهول والأهرامات , عن شقتي القاهرية, وسابقا كانت الصغيرة تعتقد أنني أعيش في محل للعب الأطفال , لأنني دائماأتيها بالهدايا ولم تكن تستوعب أن لي في مصر بيت فسألت أمها ان كنت أنام في الشارع أم داخل دكان الألعاب
أول ما أتيت مصر وأيضا بحكم عملي وأسفاري العديدة عشت لفترة ما في فندق وكان دائما يراودني وما زال حتى الأن حلم عن بيت كبير بة غرف عديدة وكلما دخلت غرفة أجد بها أبواب لمزيد من الغرف , وأنا أرجع حلمي هذا
لضيقي بغرفة الفندق التي لم تكن تسعني ولا تسع أحلامي
لكل منا أنا وأخوتي طريقتة في مواجهة أو بالأصح عدم مواجهة ما يحدث لابي , في لحظات انكساري أبحث عنهم , أجدني أهاتفهم جميعا الواحد تلو الاخر وبي حاجة ملحة وموجعة للحديث عن أبي والتكرار بلا ملل لكل ما قلتة وسمعتة عن أدق تفاصيلة الصغيرة
لاحظت في البيت أن أختي كثيرة التقوقع على ذاتها ودائما ما أجدها تكتب على هاتفها المحمول , فهمت بدون أن أسالها أنها تلجأ لعالمها الخاص هربا من واقع أبي , اعترفت لي لاحقا انها تكتب خواطرها على شاشة الهاتف من ثم تنقلها الى أوراق قد تنشرها لاحقا في كتاب ,أطلعتني على بعض منها , تكتبها بالانجليزية واليكم ترجمة لبعضها
عن أختي
لم تكن لي في حياتي أبدا فترة بهذة القسوة بهذا العذاب بهذا الألم ولم أكن ابدا في سلام مع نفسي كما أنا الأن

أنا في سلام مع كل العالم
حتى مع هؤلاء الذين أعلنوا علي الحرب ومضوا
ليس بي ذرة من الحقد عليهم
أنا مشتاقة لما كانوا علية

على رمال الشاطئ الدافئة استلقيت ورغم كل ما يحصل في البيت أشعر بانبساط
أراقب أصدقائي الصيادين , انة ليس يوم للصيد يا أصحابي
أغمضت عيناي وفتحتهما بسرعة خوفا من تسونامي , تسونامي في حيفا؟
عشت صدمات كبيرة في فترة قصيرة وكبرت عشرين سنة في أربعة أشهر
سأصدق الأن لو قالوا لي ان الطاولة تحولت لقطة وأنها أيضا نطقت ,وحتى موجة ناعمة قد ترتفع فجأة بما يكفي لمداهمتك وابتلاعك قبل أن يكون لديك الوقت لتسأل لماذا يا موجة


كانت هنالك لحظات من ألم فوق أي طاقة احتمال , أبي استلقى على فرشة على الأرض , موجوعا مذعورا ونادى لأمي , أتت الية وبصعوبة فائقة استلقت بجانبة , عندما شعر بألام ظهرها طلب منها العودة لمقعدها , لم ترضى , بقيت بجانبة تمسك يدة وتمسد رأسة الذي تساقط شعرة, تسألة كيف بامكانها أن تساعدة , بماذا يشعر , ماذا يؤلمة , وهو
مستمر بمناداتها باسمها , في تلك اللحظة نزلت الملائكة من السماء وفهمت أنا ابنة من, من هم أهلي
نحن الاولاد جلسنا بعيدا نراقبهم عاجزين ,هذة اللحظة لن تفارقني ما حييت

كانت تلك خواطر أختي وأعود لخواطري
عصرا أجلس برفقة أبي واللاب توب , أقرأ لة مقالات من الصحافة , لكن في أي موضوع حديث تحضر ذكرياتة لتأخذة بعيدا الى ما قبل 48 , يسردها حتى يعاودة السعال ويتعب , يحدثني عن أيام الفقر والجوع أيام كان يضع جدي بعض اللحمة في صفيحة تنك ويأخذة معة ليبيعاها على أحد أرصفة حيفا , يذهب الى دولابة الشخصي ويحضر لي أكواما من الاوراق القديمة نبعثرها على السجادة ونجلس متربعين لنقرأها , أوراق جدي الفارس الوسيم , خرائط وجرد لأراضي بعض القرى الجليلية , مساحاتها , من يمتلكها , ووصف لما منها من حقول أو ما منها من أحراش , رسائل عمتى فليسيتية المصرية الية وكنت قد حدثتكم عنها في مدونة نهايات وبدايات , أخوي يا نور عيوني تبتدأ رسائلها ,تسأل عن أحوالة وتطمئنة عن أحوالها , دفاتر أبي المدرسية , أحاول فك خطة الابتدائي في الأوراق الصفراء البالية وهو يصر على أن يقرأ لي بعض المقاطع بنفسة , يبدو أنة كان شديد المشاغبة في المدرسة , فمع ملاحظات معلمية المداعبة والمحبة الا ان أحد الدفاتر احتوى على عقاب عبارة عن قرابة الثلثمائة سطر مكرر لاعلان اعتذار يقدمة للمدرسة عن بعض تصرفاتة ويعد بعدم تكرراها, الخط يختلف من صفحة لأخرى وعندما سألتة عن ذلك قال أن جعل خطاب أخواتة البنات ينسخون لة العقاب كل بدورة

نفتح دفتر الشعر
المدرسة الابتدائية الأميرية
القرية الفلانية
فلسطين سنة
1947
اسم المعلم جريس الخوري


يقرأ لي أبي احدى القصائد بعنوان الدم الشريف , القصيدة طويلة جدا لكن ملخصها عن ضابط جيش يخطب في جنودة باعثا فيهم الشجاعة ويرسلهم لساحة الوغى
خاطب الضابط الجنود مثيرا
في صدور الجنود نار الحمية
سقطت راية البلاد فمن
ينقذها ايها الجنود الأبية

ويستشهد ابن قائد الجيش في المعركة

وفتى صاح قائلا بفخر
أنا للعبء لا أخاف المنية
وكليث خاض المنايا
وقد غاب عن العين في الوغى الدموية
أنقذ الراية الشريفة ولكن
بعد أن قدم الحياة ضحية

سمعوة يقول اذ حملوة
بأنين كأنة أغنية
بلغوا أمي المصاب رويدا
أبلغوها الوداع مني تحية
هي تدري محبتي وحنيني
للقاها وطاعتي البنوية
أبلغوها كي لا تطيل انتظاري
أنا للبيت لن أعود العشية
خبروها أن ليس للام مثل
ليس كالأم نعمة بشرية
ويكتشف قائد الجيش إصابة ابنة
أسرع القائد الكبير الية
وجثى قربة ويا للبلية
ولدي صاح صيحة أدمت القلب
وسالت لها الدموع سخية
ولدي الباسل الوحيد
وعهدي بك في البيت لم تصبك أذية
أبتي أصفح اني هربت ومثلي
من يلبي أبي نداء الوطنية
قال هذا وجاد بالروح حالا
وعلى الثغر بسمة ملكية

يبكي أبي في نهاية القصيدة ولا أدري ان كان يبكي على الفتى أم على أبية أم على عمرة الذي ولى
تستوقفني قصيدة أخرى في نفس الدفتر ,ستون عاما قبل الأن وما زال حالنا على ما كان علية
مشت الشعوب الى الأمام وفي وطني مشينا للوراء سكرى
من لي بمخترع قضى زمنا يحيي الليالي مجهد الفكر
لا ابرة في وطني صنعت فعلام يصبح وطني حرا
والشعر ليس بمسعف وطني كم عندنا من نظم الشعر
والقول ليس بمسعد أمما كلا وليس بقاتل فقرا
ما كان بالأفعال أجدرنا والجد والأخلاص بالأحرى
ولى زمن النوق بل ذهبت أيام زيد ضارب عمرا
أنا ان بكيت فليس ينفعني دم جرى في أعيني نهرا
والدمع ليس بنافع وطني كلا وليس بمصلح أمرا
لو كان لي من أمتي رجل ما كنت يوما أشتكي دهرا
لولا معزتها وعزتها لنطقت بما مضني كفرا
وبرئت من عروبتي علنا وعشقتها وعبدتها سرا
فقد ضقت صدرا بالحياة ومن يبصر مذلة يضق صدرا

لا يدري أبي من الشاعر وأشك أنة قد يكون معلمة الذي يصفة بانة أكثر الاشخاص تأثيرا في حياتة , فقد حدثني بأنة في يوم ما أتى هذا المعلم وأبلغهم أن ادارة المدرسة معترضة على الأشعار التي يلقنها للطلاب وأتاهم بقصيدة جديدة عن الثعلب والديك
الأحد يبتدأ صباحي بمرافقة أبي لجلسة أخرى من العلاج وينتهي بحقيبة سفر
وعودة للقاهرة

Tuesday, June 10, 2008

آسر

أحيانا يحلو لي اللهو بالمفردات وتصبح اللغة مرتعا لما بقي بي من طفولة

من ماضي تغزو حاضر
عن بعد تطغي حاضر
عبثا أهرب من ذكراك
أجدها إياي تحاصر
أنت أين أنت
يا روحي أين أنت
أنا على عهدي بقيت
وأنت اخترت أن تهاجر
وأنت قبل أن تجاهر
أنا قلبي كان شاعر
أنك أزمعت الرحيل
وكان ذاك لة قاهر
وأنا معك حاولت
وإياك حاورت
لا ترحل رجوت
فأنت إن رحلت
يا حبي إثنانا خاسر
لكنك وفي يوم ماطر
بدون أن تنذرني
جئت تودعني
وإذ كنت تغمرني
أنا قررت
لي همست
يا ذاك القرار الجائر
فكيف أنت قادر
في أحضانك تطعنني
وكيف تستغفرني
وسكينك في أحشائي غائر
أنا تعبت ,لك صرخت
سافر لو شئت
ولو شئت تعود
فان قلبي لك غافر
فأنت لم تكن في حياتي عابر
بصماتك حفرت في جسدي
وحبك في أوردتي مسافر
والأن وفي البعد ساكن
لك في روحي مساكن
جائل في مكامنها
وتأبى منها أن تغادر
وأنا والشوق غامر
ليليا طيفك لي زائر
يعبث بي يلوعني
يغويني ويشعلني
ومن ثم يهجرني
والتوق اليك ثائر وفائر

Tuesday, May 27, 2008

مرحلة

يبدو من المخجل لي أن يمر 60 عاما على النكبة ولا أجد ما أكتب
تجربة أبي تطغي على كل شيء , يداهمني الخوف أمواجا ليجرفني من شواطىء أمان هربت اليها ويلقي بي في محيط قاتم من الهواجس , وأنا لم أعد أجيد العوم , قلنا لأبي انها حرب , لم نقل كم أنها غير عادلة , قلنا أننا سنحارب عنة لكننا لم نعترف لة كم عاجزين نحن أمام عدوة , كم أن سلاحنا بائس , ولم نعترف , لأنفسنا أولا , بأن المعركة من قبل أن تبدأ ربما كانت قد حسمت فاصلة
وأنا تعبت , عني , عن اخوتي , عن أمي , أنا تعبت من هذة المعركة أنا يا أبي تعبت عنك
وأنا بت أتوق لمجرد هدنة سلام , هدنة تنام فيها هواجسي وتدعني أنام
أكلمة يوميا على الهاتف أشحذ من صوتة الأمان , نحبس اثنانا الغصة ونتكلم عن أشيائنا العادية ,عن عملي , عن السياسة , عن غزة , عن لبنان , أحيانا يحدثني عن الاحفاد فيستعيد طفولتة وأسرح أنا في طفولتي لدية
يحاول أن يضحك لكن رعشة صوتة تشي بألامة فتصفعني بألم عبر أسلاك الهاتف
يصبح أبي ساكنا في كل شيئ , ففي عملي أفقد التركيز, يأتي الموظفون بمشاكلهم وأسئلتهم وبنظرة واحدة مني يتوقف على شفاههم الكلام , بنظرة واحدة يفهمون ما أردت أن أقول ,أرجوكم اتركوني الأن , أشت بعيدا عن أمور العمل , ابعثر أفكاري في صفحات , اكتب عنة وعني , عن أشياء أخرى كثيرة , لكن هواجسي تستحوذ على كل ما أردت أن اقول , أجدني أسقط حال أبي على أحوالي , على ماضي وحاضري على مستقبلي وذكرياتي , على أحزاني على أفراحي على يأسي على أمنياتي , أقفل كل الصفحات وأعود لصفحتة أخط فيها سطورا غالبا ما تكون موجعة تجعلني أشعر بأنني أعطي القدر منبرا يعتلية ويعلن لي منة عن قسوتة , فسرعان ما أمحيها لأمحي معها مناورتة اللئيمة
أحب الكتابة على ورق فخط يدك يرسم في ثناياة خطوطا لمشاعرك ولاحاسيسك فيتعتق عبق تلك اللحظات في الحبر والورق , لكن للكتابة على الشاشة أيضا ميزتها اذ أنك تستطيع ان تمحي كل ما كتبت دون أن تترك لة أثر , دون أن تضطر لتخربش كلمات هي منك , من صميمك , أو تمزقها أو تلقيها في الزبالة
إن جلست مع أصدقائي يجلس أبي بيننا , ويتغلغل الى أحاديثنا , وان كنت لوحدي أقع فريسة للخوف والقلق فأرحل بعيدا الى ذكرياتي معة , أستعيد حياتنا
حاكورتة التي كانت تظللها شجرة توت كبيرة غنية بالثمار السوداء الشهية ,قطعها ابي قديما لان جذورها القوية كانت تهدد أسس البيت , على فروعها الضخمة قضيت أجمل أيام طفولتي مع أصدقائي وأبناء الجيران , نلعب الاستغمائة أو نلجئ اليها اختباءا من أمهاتنا أو لنتفيء من قيظ الصيف , وبين أوراقها الوارفة الخضراء كنت ألعب عندما أتى أبي باحثا عني ليفاجئني بساعة صغيرة لها حزام جلدي كحلي رقيق , كانت تلك أول ساعة يد أمتلكها , وفي ظل التوتة علمني متابعة عقاربها وملاحقة ثوانيها ودقائقها وشعرت وقتها أنني أعبر مرحلة فها أنا قد كبرت وأصبحت قادرة على تحديد الوقت وكنت فخورة جدا بين اصدقائي , وأنا الان في هذة المرحلة أجدني أحيانا كثيرة اترك الدنيا وأصدقائي وأنعزل داخل ذاتي , أدخل في حوارات شائكة مع نفسي , أغرق في دوامة من التساؤلات , من حسابات النفس , هل كنت إبنة جيدة وأين أنا أخطأت , استعيد كل المواقف التي عبرت لة فيها عن حبي , عن حناني, أستعيد كل ما قلت فينهشني كل الكلام الذي بقي في داخلي , الذي لم أقلة أو أعبر لة عنة لأنني ربما نسيت , لأنني انشغلت في حياتي واحتياجاتي ونسيت احتياجاتة كأب , وأفكر هل أبي فخور بما أنا علية وبما أنا حققت؟
وفي ظروفة هذة ماذا سيجدية فخرة بي ؟ وهل في كل العطاء وكل الحنان الذي نحاول أنا وأخوتي أن نغدقة علية, عزاء لما هو فية ؟ أفكر بة هو الانسان , في صراعة مع المرض , في ألام جسدة , في خوفة من الموت , ولا أجد لة عزاء
وأصلي لة لمجرد هدنة , هدنة تنام فيها هواجسة ويعود لة بعض من الاطمئنان
أفكر فية هو الأب في قلقة الدائم علينا , علي , فربما عيشتي الوحيدة تؤرقة , وربما يؤلمة مثلا أنني لم اتزوج بعد ولم ألد بعد وأنا يؤلمني أنني لو أصبحت يوما أم , ربما لن تكون هنالك الفرصة لأطفالي بالتعرف على جدهم والاستمتاع بشيخوختة ولن ينعموا بسماع قصصة وحكاياتة ولن يحظوا بأن ينزرعوا بجذورة الفلسطينية
في حاكورة أبي أشجار زيتون ولوز وخوخ ومشمش وتين ورمان ودالية عنب وركن صغير يزرع بة للاحفاد الصغار الفول والبازيلاء , وهم اذ يأتون من زحمة المدينة وجوها الخانق , يهرعون للجري واللعب في الفسحات الخضراء الواسعة يتلذذون بقطف الثمار , في المرة الاخيرة التي كنت فيها في البيت رافقت الأطفال للحاكورة , فحدثتني الصغيرة ابنة السادسة بأنها حلمت أنها أتت يوما للحاكورة فوجدت الزرع كلة قد اقتلع من جذورة وأن ذلك أحزنها كثيرا , أرعبني حلمها هذا , للصغار احساس قوي بما يحدث , لكنهم عاجزون عن فهمة ,هم مدركون أن مرض أبي ليس كأي مرض عادي وأن شيئا مبهما غامضا يحصل لجدهم لكنهم لا يعرفون كيف يترجمونة الى أسئلة
وكان من غير الممكن أن لا اربط بين حلمها هذا وبين حالة أبي وأدهشني كيف ان الصغيرة في لاوعيها ربطت ذلك
ربما لان أبي جعل الأرض شيئا ثابتا مقدسا راسخا في وعينا منذ الطفولة واحساسة بها يقارب احساسة بنا , كذلك خوفة وقلقة عليها , وهي جزء من كيانة مزروع بة عميقا كما نحن فية وكما هو فينا
تلك هي الأرض بالنسبة للفلسطيني , الذي فقدها مرة وبات مسكونا بخوفة من أن يفقدها ثانية فانغرس فيها وغرسها في عظامة , في قلبة وروحة
وأبي فلسطيني من جيل ما قبل النكبة جيل قارب أن يندثر , والأن في ذكراها الستين , أقرأ فلسطين في التجاعيد التي حفرت في وجهة ووجة أمي
أمي لم تتجاوز السادسة وقت النكبة وهي لا تعيها كثيرا , بغرار أبي الذي كان في عامة الرابع عشر , وهي من جيل من الأمهات اللواتي لم يتجاوز تعليمهن المرحلة الاعدادية , فهي اذ حظيت بوالدين ارادا لها ان تكمل تعليمها لكنها كانت تهرب من المدرسة خجلا اذ أنها كانت الفتاة الوحيدة في صفها , فقضت طفولتها تفلح الأرض مع اخواتها ووالديها وبعد الزواج كرست حياتها لبيتها واطفالها , كأي أم فلسطينية تصحو فجرا لتبتدأ روتينها اليومي الذي يتلخص بالأعمال المنزلية من التنظيف والطبخ والغسيل وتخزين الزيت والزيتون والسمنة والزعتر والبرغل والطحين , أو المونة كما نسميها , والعناية بالحديقة وينتهي يومها بجسد منهك وظهر منحني
كانت أمي تخبز مرة في الاسبوع والخبيز المنزلي صناعة شاقة , فقد كانت تجلس على الأرض لتعجن الطحين بالماء والخميرة وزيت الزيتون , في لجن كبير , ومن ثم تحولة الى كرات بحجم اليد ترققها لاحقا , باسطوانة خشبية تسمى الشوبك, الى أرغفة دائرية , ومن ثم تفردها في مكان خصص وفرش لها على الارض وتغطيها لتخمر ومن ثم ترصها طبقات على صدور من الالومينيوم تحملها على رأسها وتخرج بها حتى في أيام الشتاء القارصة الى كوخ صغير بجانب البيت لتخبز بفرن طيني يشعل بالحطب , يسمى الوقادة , وبجانب الخبز كانت تعد لنا مناقيش المسخن والمحمر والزعتر , لتفوح رائحة الحارة بها , وللمناقيش رائحة لا يمكن مقاومتها فقد تداهمك وتتغلغل في أنفك وتشعل شهيتك حتى تؤلمك معدتك ولو عن بعد عشرات الأمتار , وفي الأيام الصيفية أو الربيعية كان يلتم الينا الجيران للمساعدة , أتيين معهم بصينية قهوة
في عطل الصيف الاسبوعية كان أبي يأخذنا للاستجمام في شواطئ عتليت والطنطورة الواقعة جنوبي حيفا , والطنطورة تعيش في الذاكرة الفلسطينية كاحدى القرى التي ذبح مئات من أهلها في 48
أما عتليت التي احتلت قبل ذلك بسنين فتستحضر لدينا من نسيناهم من المعتقلين السياسيين في سجنها
في الطريق وعلى بعد كيلومترات قليلة من قريتي كنا نمر بقرية أم الزينات التي تختفي عن الأعين وراء حقول كثيفة من شجر الزيتون , أدخلنا أبي مرة ما بين الحقول لنبحث عن أثار للقرية , لم نجد سوى حطام جدران حجرية وبعض من شجر الصبار أو ما يسمى في مصر بالتين الشوكي وهو مثلة مثل الزيتون من علامات القرية الفلسطينية , وأنا داخل القرية ترائى لي شبح رحل نحيل يركض هربا , مجرد خيال , الخيال الذي يداهمنا عندما ندخل مكان مهجور , رحل او مات أهلة , وما زلت كلما مررت بجانب ام الزينات يحضرني ذاك الشبح
وأنا أكتب ذلك أتوقف لأفكر كيف عشنا مع التناقض ما بين حياتنا التي استمرت وحياة تلك القرى التى توقفت ورمست ولم يبقى من ذكراها سوى أكوام حجارة أو أنتهت في مخيمات لاجئين أو نسيت وراء قضبان السجون
ليس لدي جواب , نحن ولدنا وحكمنا لأن نعيش مع هذا التناقض , انة جزء من مسيرتنا من كياننا من هويتنا من وجعنا الفلسطيني
فلسطين هي أبي وأمي , هي الجيران , هي الناس , وأنا في ذكرى النكبة اعترف بخجل بأنني في حالة شديدة من الاغتراب وفي لحظات من الشعور بالذنب من اغترابي وربما من قسوتي في الحكم على شعبي مرات , دخلت بعض المدونات الغزاوية وجدت أن المدونين بجانب تدوينهم عن معاناتهم اليومية , يدونون عن أشيائهم الشخصية , عن علاقات حب , عن كتب عن موسيقى عن افلام سينيمائية , وفكرت أننا دائما تعاملنا مع أهل غزة كضحايا , ولا نراهم الا كجرحى , كأجساد دامية , ولم نحاول أبدا التواصل معهم كناس مجرد ناس , لهم احتياجات ما وراء الصمود وأفاق أبعد بكثير من لقمة العيش
ويهيئ لي أننا جميعنا كفلسطينيين بعد ستين عام منذ رحيلنا الأول وفي هذة المرحلة قد لخصنا قضيتنا بالاقتتال الداخلي ما بين فتح وحماس ولم نعرف كيف نوصل للعالم قصتنا , قصة الانسان الفلسطيني , الذي لم يعد يسمع نداءة أحد الا عندما يعلو صوت المدفعية الاسرائيلية

Thursday, April 10, 2008

موزايك

تأتي الصدمة كزلزال ينسف حياتك ثم يهمد لتنغرس قدماك في ما شقة في أرضك من جروح
أصحو مع أبي باكرا لأشاركة قهوتة الصباحية وأرافقة الى جلسات العلاج الكيميائي , أجلس أنا على مقعد القيادة ويجلس هو بجانبي يسرد لي بالتفصيل كل ما سمعة في نشرات الأخبار راحلا بعقلة بعيدا عما ينتظرة ,نصل الجلسة مصطحبين معنا صحيفتة وكتابي , يقفل هو عينية بينما أراقب أنا الممرضة وهي تغرس الابرة في يدة لتحقن جسدة بالسموم ونجلس اثنانا لنقرأ , نخفي وجهينا وراء الصفحات , نحاول أن نغض النظر عن الوجوة الذاوية الشاحبة المحيطة بنا , عن كل ما قد يذكرنا بالواقع الذي رسينا علية, يتعب من القراءة ويأخذ بعض الشجاعة ليراقب من حولة , أترك الكتاب لأقرأ وجهة , يحدثني عن أمالة وعيناة تفضحان رعبة , والرعب يصبح شيئ عادي , أنت تتعود علية , يوما فيوم تتعلم أن تعيش معة وتبستم لة , ورويدا رويدا أنت تدرك أن أقسى الاشياء واكثرها إيلاما تصبح جزءا من تفاصيل حياتك الصغيرة , من روتينك اليومي , تذهلني هذة الحقيقة
صباح الخير وانت الورد ألحانك , صباح الفل وانت الفل ريحانك , صباح النور وانت النور وجدانك صباح العز وانت العز مكانك , صباح العدل وانت العدل ميزانك و صباح الخير وانت الخير عنوانك
رسالة يبعثها لي طاقمي العمل وأنا في بيت أهلي , أعود للقاهرة ولعملي واليهم وأصبحهم بالخير
احاول التركيز في عملي وأفكاري مشرذمة الى ألف شظية , قبل يومين سمعت من مكتبي صراخ في مكتبهم, في البداية ظننتهم يضحكون لكن الصراخ تحول الى أصوات ارتطام , هرعت لأجد اثنين منهم متشابكين بالأيدي , صدمت اذ أحسست بأن كل ما بنيتة ينهار أمام عيني , أعترف أنني في الفترة الأخيرة منذ مرض أبي أو ربما الأسابيع التي سبقت ذلك تقوقعت على نفسي كثيرا وانعزلت عنهم , هم متفهمون ويحاولون بقدر الامكان عدم اشغالي بمشاكل العمل اليومية وحلها بأنفسهم , أحاول التحقيق فيما حصل وأقرأ ما وراء الكلام بأن الفريق مقسوم لحزبين , الجيل القديم والجيل الجديد الذي هو أحدث خبرة وسنا , وأنا منذ البداية كنت قد القيت على الفريق القديم المسؤولية الكاملة بتبني وتدريب أي موظف جديد ينضم الينا وباحساس أمومتي الساذج اليهم , مع قرب السن بيني وبينهم, أنا نفسي تعاملت معهم معاملة الاخوة الكبار والاخوة الصغار
جمعت الصغار لجلسة اعترافات ودهشت من مقدرة هذا البلد على استنساخ وتكرار نفسة في صور مصغرة ,اذ أكتشف أن الفريق القديم حول ما منحتة اياة من مسؤولية وصلاحيلات لسلطة وسطوة ,ومرر الارشادات كأوامر لا تعصى وتعامل مع مهمة التدريب باحساس بالتعالي , الى أن شحن الجميع بأحقاد دفينة انفجرت مرة واحدة
أحبطت وما زلت لا أدري كيف أتعامل مع هذة المشكلة , التي أراها شرخ كبير بثقتي بمن أعطيتة ثقة وبنفسي وبما حققتة أولا وأخيرا , ولو أنني أريد أن أصدق أن ما حصل من الفريق القديم لم يكن بسوء نية انما مجرد غباء اداري , لكن لم يعد أحد يستحمل أحدا في هذا البلد , مصر وأهل مصر في حالة غليان
يوميا أعود الى بيتي بعد يوم عمل مرهق ومشحون ,أحيانا يستقبلني عبدة البواب ليبلغني أن الحاجة أعدت لي الغذاء , الحاجة حياة هي صاحبة العمارة التي أسكن فيها , أرملة سبعينية يشع وجهها صفاء وحنان , توفي زوجها في حادث طرق على الطريق السريع ما بين النمسا وألمانيا , حدث ذلك قبل قرابة الأربعين عام في وقت كانت هي بانتظارة مع أطفالها الخمسة في بيتهم الصيفي في اينسبروك , تجلسني بجانبها لتحدثني عن مسيرة حياتها , عن بيت أبيها في العباسية , بيت من بيوت مصر بتوع زمان على قولها , وعن أصدقاء النادي وحبها لزوجها , ورحلاتها معة حول العالم وحجاتها السبعة ومكة والقدس , والجنية الذي فقد قيمتة وسعر الكرمب والعيش والفراخ وعن تعبها في تربية ابنائها
العمارة التي أسكنها والتي تجاورها حديقة جميلة غناء مزدهرة بأشجار الليمون والبرتقال والصبار ويحيطها سور حجري عالي, كانت في الاساس فيلاتها القديمة وبعد رحيل زوجها بنت فوقها لكل من أبنائها شقة لكن معظمهم أجروا شققهم بعد الزواج وانتقلوا للعيش في أحياء أخرى
أبناؤها جميعهم يشغلون وظائف عالية , لم تتحجب من بناتها سوى صغراهن التي عاشت لفترة في السعودية , ابنتها الكبرى عميدة كلية الاعلام في احدى الجامعات الحديثة في القاهرة , لكن في انشغالهم بأعمالهم وعائلاتهم ورغم زياراتهم المتكررة لها تعيش هي في وحدة في بيتها القديم بغرفة الكثيرة والكبيرة التي علقت على جدرانها تذكارات من رحلاتها مع زوجها , أشعر بوحدتها مع أنها لا تتذمر لكنها تشكو احيانا من زوجة ابنها اللي طفشت كل البوابين ودائما تنهي حديثها بأنها اكتفت بالسنين التي عاشتها مع زوجها وبما حققتة لأبنائها وأنها ليست بحاجة لشيئ لأن زوجها ترك لها كل ما تحتاجة وأنها زهدت بالحياة , أنت ابنتي السادسة تقول لي وأنا طالما أمر عليها لأتبارك بدعواتها الطيبة , وأول ما سمعت عن مرض أبي شعرت بحاجة شديدة لطرق باب بيتها واللجوء الى حضنها الرحب والخشوع لصلواتها
في شقتي القاهرية وحدتي هي صديقتي , في العتمة تسكنني في النور تسكنني , هي في كل مكان لي رفيقة , حتى في مجالسي مع أصدقائي أجدها هناك حاضرة متطفلة متغلغلة الى اللحظات الساكنة ما بين الأحاديث والضحكات , سارقة إياي اليها الى ذاك الركن الذي احتلتة في روحي
أحيانا كثيرة تأتي لزيارتي صديقتي اولجا الرومانية العاشقة لقهوتي الفلسطينية وأولجا طبيبة تعيش مع زوجها السوري في القاهرة منذ خمسة أعوام , في أحاديثنا دائما نستعيد تجربتنا المشتركة كغرباء في هذا البلد , ونضحك من نفس السؤال الذي يسألنا إياة أصدقاؤنا المصريون , ماذا تجدون في القاهرة؟ ليلها وما يعطية لك من الأمان , ما نتفق علية نحن الاثنتان , فأنت في أي لحظة من الوحدة حتى لو كان ذلك في منتصف الليل , بامكانك أن تلقي بنفسك الى أحضان الشوارع وستضمك بحنان
ومع أنني مرات كثيرة أتوق لأن أكون مع نفسي وكتبي واسطواناتي الموسيقية , الا أنني منذ مرض أبي أجدني في وحدتي مستحوذة بالهواجس وقلقي على أبي يطغي على كل شيء, فأهرب منها الى شوارع القاهرة لتبتلع ضجيج هواجسي بصخب شوارعها , وللقاهرة القدرة على امتصاص أحزانك كما لها القدرة على أن تفجر فيك نهر أحزان , تبكيك وتضحك , تبهجك وتحزنك , تنتزعك من عزلتك لتلقيك في عزلة وسط الزحام
أهجر وحدتي رفيقتي بحثا عن أي شيء يلهيني , عن أي شيء أوقف بة مطرقة أفكاري , وللقاهرة الكثير ما تقدمة لي وهي تشهد مؤخرا حركة ثقافية وغزارة في الانتاج الأدبي أتمنى أن يكون هنالك من يستقبلة أو يستهلكة
,دخلت مدبولي فاستقبلني عمالها بترحاب وقفت مدهوشة بين أكوام الكتب القديمة والجديدة , أمسكت كتابا وتصفحتة توقف بجانبي رجل سوري وسألني ان كنت كاتبة روائية , ضحكت , لا أدري لماذا أوحيت لة بذلك , لكن أعجبتني الفكرة , فكرة أن أكتب كتاب كانت دائما تغريني
تحتفل دار الاوبرا المصرية هذا الشهر بعشرينيتها فتعرض كل ليلة احدى الروائع العالمية , أختار لنفسي عرض ذا لودر أوف ذا دانس الايرلندي وبالية دون كيشوت الكوبي
الشوارع تمشي ببطء وأنا على وشك ان أتأخر عن العرض , سائق التاكسي يشكو لي الزحمة وغلاء المعيشة ومن شريط الكاسيت تنعبث أصوات شاكية لمغنيين من كافة الأقطار العربية يبكون غزة وبغداد وبيروت ويستنتجون أننا نسينا أن العرب إخوان , من المحبذ أن ننسى , أفكر , مصابون بألف مصيبة فليلتفت كل منا الى مصائبة
كنت قد هاتفت الاستعلامات في دار الأوبرا وأخبروني أن التذاكر كلها نفذت ولكثرة الاقبال قرروا إقامة عرض إضافي , أدهشني ذلك لغلاء التذكرة , المهم أنني ذهبت للعرض الاضافي لأجد طابور لشباك التذاكر , تذكرت طابور العيش , استطعت الحصول على تذكرة بسعر معقول نسبيا في البلكونة الأخيرة , جلست في مقعدي وأنا أطل على القاعة الرئيسية وكانت مليئة الى أخر كرسي حتى أماكن الدرجة الأولى حيث التذكرة بألف جنية , فتذكرت رغيف الخمس قروش
من الصعب أن تثبت قدميك وأنت تشاهد سيد الرقص ولكن بعد أقل من ساعة توقفت الفرقة لتحيي الجمهور وأنا بسذاجة اعتقدت أنة وقت الاستراحة , لكني رأيت الجميع يغادرون مقاعدهم والقاعة , ماذا انتهى العرض؟؟ مشيت أنظر ورائي لأتأكد وقد شعرت بالاستفزاز لقصر الوقت مقارنة بغلاء التذكرة انما تناسيت ذلك وحاولت الاحتفاظ بايقاع الرقص وموسيقى الكمان , كطعم حلو أمسح بة مرارة الأسابيع الماضية
على مدخل كوبري قصر النيل تقف عروس بثوبها الأبيض لتتصورعند حافة أحد الأسود الحجرية , وعلى رصيفية اجتمع العشاق إثنان إثنان يتناجون فيما بينهم ويبوحون للنيل باسرارهم العشقية , من قال أن القاهرة ليست رومانسية؟
من تحت الكوبري تعبر المراكب بعضها كبيرة سياحية فاخرة تظهر من شبابيكها قاعاتها الواسعة والفرق الاستعراضية والرقاصات وعلى سطحها يقف بعض السواح يستمتعون بنسيم الليل القاهري , وأخرى صغيرة ضيقة لا سقف لها وتعيش فيها عائلات بأكملها ينشغل الأب بالصيد والام بالطهي والأطفال بالتجديف , لكن أكثرها قديمة صدئة مسقوفة بخيمة مضاءة بلمبات كحلية خضراء حمراء, ومحملة بالفقراء من العائلات والصبايا والشباب وتعلو منها أصوات شرائط الكاسيت وأغاني سعد وشيرين ونانسي وعمر ذياب
نقطع التحرير ونعلو ستة أكتوبر , أتذكر أن أفتح هاتفي الخلوي الذي كنت قد أقفلتة خلال العرض لأجد رسائل من أصدقائي يسألون عني ويعلموني أنهم بانتظاري في أحد مطاعم وسط البلد , اعتذرت لسائق التاكسي عن تغيير الاتجاة وتوجهت اليهم ,جسور القاهرة تزداد ارتفاعا اذ تنوء البلد تحت الزحام وتضيق أرضها بكل من فيها فتعلق دروبها في الهواء , دائما أخاف من الكوبري أتخيلة سينهار من ثقل السيارات , نزلنا من رمسيس حيث لا رمسيس بعد , شوارع وسط البلد مكتظة كعادتها بالبضائع المستهلكة والناس ,محلات اللانجيري والمنقبات, حناطير وعربيات هامر ومرسيدس وأخرى عفى عنها الزمان وأطفال شوارع وباعة جوالين يتراكضون بألواح خشب تحمل بضاعتهم هاربين من مراقبي البلدية , رجل يحاول قطع الشارع وهو يحمل على رأسة صينية مليئة بأكواب الشاي
دخلت المطعم لأجد عمر والفارس والستيلا هناك , زمان يا عمر , اشتقنا للمات المكتبة , عمر وامبراطوريتة التي لا تغيب عنها الشمس من معالم وسط البلد , أما انا والفارس فمن هواتها, في مشاغلنا الأخيرة كنا قد ابتعدنا عن بعض وعن أماكننا المحببة , لا جديد لدى أي أحد فينا , سوى أن كل منا همة ازداد همين , يمر بنا أحد أصدقاء عمر ويتوقف ليصافحة , أسمعة يشتم دار الأوبرا على غلاء التذاكر فأشيح بوجهي احراجا , نتفادى الأحاديث السياسية ابتعادا عن أي شيئ يكئبنا ونجلس نراقب رواد المطعم , في أحد الأركان يجلس رجل بصحبة امرأة تبدو وكأنها معلمة على قهوة شعبية , تلبس جلابية سوداء وايشاربا أسود ينسدل عن شعرها , تتلذذ بتدخين الشيشة وتأكل الأيس كريم , في مقعد أخر تجلس فتاتان ملتصقتان تقرءان معا في كراسة , ربما دراسة جامعية أو ربما سيناريو , احداهما تداعب وجه الأخرى وعنقها بطريقة حميمية جدا والثانية تغلق عينيها استجابة للمسات صديقتها , ليس في ذلك ما يزعجني انما أدهشتني جرأتهما وربما لا حاجة للجرأة في القاهرة اذ أن كل مشغول بنفسة , تدخل بعض المحجبات منهن من تزيل الحجاب وأخريات تبقين علية وجميعهن تجلسن لشرب الستيلا بالحجاب أو بدون حجاب , في كل لحظة أنظر الى عمر باستغراب ويفهم معنى نظرتي ,عادي يا عشتار , القاهرة مليئة بالغرابة لكن لا شيء غريب عنها , بعض الطاولات لا يجلس عليها سوى رجال , مجتمع ذكوري أفكر , على طاولة كبيرة تجلس مجموعة من الرجال أحدهم صاحب لدار نشر وابن لزعيمة اخوانية , البقية ربما كتاب أو صحفيين وبعض ممثلي الكومبارس , دائما تنضم لنفس المجموعة امرأتان خمسينيتان أو ستينيتان , أحداهما صبغت شعرها بالاصفر الفاقع وطلت وجهها بالمساحيق , الثانية دائما تلبس فروة سوداء وتبدو وكأنها خرجت لتوها من محل كوافير , تزعج المطعم كلة بقهقهاتها ورنات موبايلها وحديثها العالي عن الكحول والهانج أوفر الصباحي , مدام هانج أوفر أسميها ,غير ذلك لا أدري أي حديث يجمعهما بالمجموعة الثقافية المرافقة لهما , وهنا وهناك بعض الأجانب أو طلاب الجامعات أو البوهيميين وأشرف نادلنا المفضل يطل علينا كل لحظة ليطمئننا أن الكونترول عالي والفولو أب شديد وكل شيء تحت السيطرة
عمر يغرق في صمت وأنا والفارس نلهي أنفسنا بالكتابة , يخرج من جيبة دفتر ملاحظاتة الملازم لة ويخرج كل منا من جعبة ذكرياتة حنين نحاول أن ننسجة في سيمفونية شعرية واحدة , متخيلين أننا شعراء
نخرج من المطعم بعد منتصف اليل , ما زالت الشوارع مزدحمة بالناس وأنوار السيارات تضيئ عتمة اليل , بائعو الصحف يفترشون الأرصفة , في التاكسي أجلس لأراقب دراجة نارية يقودها رجل وهو يضم بين ذراعية طفلية الجالسين أمامة , بنت وولد دون السادسة ,وزوجتة وراءة مرتدية حجابا وعبائة مطرزين بالفضي والذهبي واذ يستحيل أن تجلس على المقعد مفرودة الساقين بعبائتها فتجلس بشكل جانبي متكأة بكتفها اليمين على ظهر زوجها مدلية ساقيها في الهواء ليبان من تحت عبائتها حذائها الأبيض اللامع ,تلك هي عائلة مصرية عائدة الى بيتها من نزهة في وسط البلد
أصل بيتي لاخلد للنوم لكن لا تنام القاهرة

Thursday, April 03, 2008

يا أبي

يفتقدك معملك الكهربائي الصغير وأدوات العمل واللوحات الالكترونية الدقيقة التي أنهكت بها عينيك
وتحن اليك الحجارة والصخور والسناسل الجبلية التي بنيتها بيديك ,ونوار اللوز وشجر الخوخ والمشمش والتين والرمان والأيك
وتناديك الزيتونات اللواتي تنتظرنك صباحا لتنحني أمامهن وتصلي لهن مطهرا ترابهن من الاعشاب الطفيلية
وتبحث عنك دالية العنب والكرم وحتى الحطب الذي تجمعة يوميا لتخزنة انتظارا لليالينا الشتوية
مشتاقة اليك الحاكورة يا أبي , ودروبها الضيقة التي سللتها بكعبيك
وأنت في لحظة تعبت , في لحظة غدرك جسدك وعلى سرير المرض رقدت , أنت في لحظة عن أرضك الطيبة نأيت
أنت كنت قويا وفي لحظة ضعفت
هل اقترب رحيلك يا أبي؟
أنا منك ولدت وحييت, ورغم كل ما مر في حياتي من سنين , من طفولتي من شبابي , رغم المسافات بينك وبين اغترابي , ما زلت بك أحيا وأنت تحيا في خلاياي , لي لون شعرك وكثير من طباعك ومن مزايا روحك وغمق عينيك
أنا أنت يا أبي , أنا منك جئت وفي البعد عنك ارتعش جسدي بألامك , وحتى قبل أن تبوح بها , أنا كنت قد أحسست بك
فأسابيع وأنا متوترة , أسابيع وقلبي ينهشة الترقب والانتظار
أسابيع وأنا خائفة من شيئ مجهول , أسابيع وجسدي كل يوم يأتيني بأوجاع جديدة وقواي في انحسار
في الليل أرقة , في اليوم حائرة لا أدري ما بي , وفي كل لحظة على وشك البكاء والانهيار
راجعي طبيبك قالت لي أختي
لم أراجع طبيبي لكنك أنت راجعت
وكان صباح سبت , هاتفتني أختي في غربتي ولحظة لفظت كلمة أبي أنا هلعت, اذ أنها قبل أن تقول كنت قد عرفت , اذ أنني قبل أن يأتيك الطبيب باليقين المفجع كنت قد أيقنت , أن كل ما كان بي من أوجاع كانت تلك يا أبي أوجاعك أنت, أنا بألف عافية لكن أنت لست
وأنا كنت قوية وفي لحظة انهرت
هل اقترب رحيلك يا أبي؟
انفجرت براكيني ومر أمام عيني شريط حياتي كلها اذ شعرت أن حياتك تهرب منك ومني , وبكيت كل ما أردت أن أبكية وعزلت نفسي عن الدنيا وصليت
حزمت حقيبة سفري وحجزت الطائرة الأولى وسافرت الى البيت
استقبلتني أنت وأمي بالبكاء , خائفان أنتما يا والديي , إنهمرت دموعكما وأنا افتعلت الحاجة الى التواليت وهرعت الية لأحتجز انهياري وابتهل الى روحي أن تحتجز الدموع في المأقي وعدت اليكما بابتسامة كاذبة وجثوت عند قدميك أصبحت أنا الأم وأصبحتما أنتما ولديي العاجزين بجسديكما الضئيلين المنهكين, قلت لك لن نبكي يا أبي وأخذت بيديي يديك , تلك معركة وأنت لست وحدك , سنحارب معك أنا وأخواتي , تلك حرب ونحن يا قائدنا جنود لديك
نظرت الى جسدك النحيل المتلاشي والى عينيك الواهنة وأخرجت من ذاكرتي لوحاتك القديمة لأرسمها حاجبا ما بين عيني وضعفك ودخلت في حالة من الانكار
أنا حاولت من حقيقة مرضك الفرار
قلت لأخواتي لا تحاصروني بالحقيقة لا تخنقوني , دعوني محلقة في غيبوبة أوهامي , دعوني أعيش حلما فية أبي سيعود يوما كما كان الرجل القوي الجبار
يوميا أنسى نفسي ساعات أمام شاشة الكمبيوتر أنا ومحرك الجوجل , أكتب اسم مرضك مع كل مرادفات كلمة أمل , أمال , فرص للشفاء ,احتمالات , أبحاث جديدة , علاجات جديدة , أكتبها بكل اللغات التي أتقنها وعندما يعجز الجوجل عن اطمئناني أبدل كل المفردات بكلمة معجزات , بحثا لك عن معجزة يا أبي
وأنت مليئ بالأمال , أنت مؤمن بوفاء جسدك لك وأنا مشفقة عليك من الخيانة الكبرى من اللحظة التي ستهوي حصونك وينتصر المرض على رئتيك
اشتقت للأرض والأرض اشتاقت اليك يا أبي وأنت قلق ومرعوب على أمي وعليها وأنا قلقة على أمي ومرعوبة عليك
من سيعتني بالحاكورة في مرضك , تسأل صديق عمرك على الهاتف وتسقط السماعة من يديك
ألتقطها وأسمع نحيبة من الناحية الأخرى , أبي بخير يا عمي لما البكاء وتسقط السماعة من يدية , أدعكما تبكيان معا وأذهب للبكاء لوحدي بعيدا عن أذنية وعينيك
رنين التلفونات في البيت لا يتوقف وجرس الباب لا يكل , الكل يسأل عنك , الأقارب والأصدقاء , الكل جزع عليك يا أبي , عيونهم تشي بحزن فية تصديق لهلعي و تكذيب لاطمئناني , في أصواتهم حرج واعتذار
يعتذرون لي عن قسوة الدنيا وسنة الحياة وأنا لا أريد أن يعتذر لي أحد أو يواسيني أحد , أنا أريد أن أصدق أنك بخير وأن بقائك أو رحيلك هو ليس قدر بل إختيار
نحن اخترنا لك الحياة فلا ترحل عنا يا أبي
إنها حرب فكن قويا يا أبي وليكن إنتصارك قرار

Wednesday, March 12, 2008

البحث عن مفردات

قبل أيام أتت صديقتي لزيارتي في وقت كنت مستغرقة فيه بقراءة كتاب ومع أنني كنت متوقعة زيارتها الا أنني لم أشئ أن ألقي الكتاب من يدي , ذهبت لافتح لها الباب وانا ما زلت احملة وعيناي محدقة في السطر السادس من الصفحة الواحدة والخمسين , دخلت صديقتي وأقفلت الباب ووجدتني مضطرة لأن أحرر يديي منة لانني كنت بحاجة لهما لتحضير العشاء, أعددت المائدة وتناولنا الطعام, ودخلنا في أحاديث شائكة عن همومها وهمومي وركن ما في عقلي ما زال عالقا في صفحات الكتاب , جلسنا في الصالون لنحتسي القهوة شفتاي على الفنجان وعيناي وأذناي مع صديقتي لكنني في طرف عيني اليسرى لمحت الكتاب من حيث تركتة ينظر الي , استسلمت لة ومضيت بنظراتي الية لأعود للصفحة الواحدة والخمسين وللحوار الذي كنت قد تطفلت عليه وشاركت بة واضطررت لمقاطعتة لاستقبال صديقتي
حدقت في الغلاف الأرجواني الذي يحوي بين طياتة صفحات الكتاب الربعمائة وعشرين وفي أبعادة الثلاثة من الطول والعرض والسمك , وعشرات من الحروف الصغيرة التي تكون بضع ألاف من المفردات تعطية أبعادا قصية الأفاق وأعماقا لا قرار لها وتنفح فية عوالما من شخصيات قد نولع بها ونتمنى لو نقابلها أو أن نحدثها أو أن نلامسها وقد نكرهها ونخافها ونقفل الكتاب هربا منها , ومن بيوت نرغب أن نسكنها ومن لوحات نستدعيها لتخرج من الكتاب الينا وتتجسد أمام أعيننا, ومن أبواب وبوابات نريد أن ندخل منها وشوارع نود أن نمشي فيها , ومن عواصف وهدير رعد , وشمس مرات دافئة وأخرى لاسعة وسماء لا زرقة كزرقتها ومن الأصوات التي تصلنا خافتة عالية صارمة حادة مرتجفة ,من بطء الساعات وسرعة الثواني , ومن اللحظات وارتعاشها , من مسافات الترقب الشاسعة ما بين اللحظات , من الهواجس والأفكار من المشاعر والحواس التي تتسرب من بين الحروف لتتغلغل فينا وتنسجم مع أحاسيسنا فتبهت كل الخطوط التي تفصل ما بين قصة الكتاب وقصتنا , من الأحداث التي تفور بين تلك السطور والحياة التي تنبض في تلك الصفحات وكل الألوان الفاتحة والغامقة التي يخطها حبر أسود على ورق أبيض
لبضع ثوان غادرت الغرفة وصديقتي وفنجان القهوة لأدخل بكل ما بي الى ذاك المستطيل الأرجواني الصغير الملقى على الكنبة بجانبي ولم أخرج منة الا عندما سألتني صديقتي لماذا أحدق في الكتاب
أعترف بأنني أعاني من تلك العادة السيئة في أن أسرح وأشت وأغادر كل من حولي لأغرق في عوالمي الخاصة
المهم أن ذاك الموقف مع الكتاب قد إستوقفني اذ تدهشني حروف الأبجدية وكأنها عصاة سحرية بضع لمسات تبعث فيها حيوات
في البدء كانت الكلمة ونحن أتينا الى هذة الحياة كائنات من جسد وروح وكلمات, وأنا طالما اعتقدت أن مفرداتنا هي ثروة لنا , نحن نرسم فيها لوحة لما نحن علية , وكلما أثرينا بها كلما ازدادت لوحتنا جمالا وعمقا وأبعاد , ويجعلني هذا أفكر في نفسي فأنا دائما أشعر وكأنني في رحلة لا تنتهي بحثا عن مفردات ليس بغية تجميل لوحتي إنما لأنني مرات كثيرة أجدني صامتة أمام أشياء بداخلي كنت أود لو أستطاعت أبجديتي كتابتها أو الحديث عنها, وهي مبعثرات من شريط ذكرياتي من قصصي وحكاياتي ,من سيناريو حياتي , من مشاعر وجروح في القلب وندبات في الروح من أفراحي وبهجاتي , من خوالجي من انفعالاتي , من كل ما ينهش بي من قلق وتوتر يصل حد الانفجار , من تمزق يحاذي الانهيار
أحيانا تصفعنا الحياة من حيث لا ندري ولا يسعنا أمامها سوى الانحسار سوى التقوقع على ذاتنا في أعماق ذاتنا والغرق في عزلة بيضاء لا كلمات فيها , لحظة تنسف الأحلام كالبالونات الزاهية الألوان لتنجلي عن فقاعات هواء عن خواء عن أوهام , لحظة يستبد بنا الفراغ ويطغي في حياتنا الفقدان , أحيانا تعترم النفس حد الفيضان لكنها تبقى أسيرة مفردات تائهة

Saturday, January 26, 2008

استنفار حسي

أعطني حلما
كن لي فكرة
أحيي بي ثورة
تهز كل ما بي من شك و يقين
واكتب لي بدايات
وارسم لي مسارات
وصغ لي سفر تكوين
سافر بي اليك
لأحط رحالي لديك
وانسى ما عبر من سنيني
رافقني صباحا
واسكنني مساء
انفي من ذاكرتك كل النساء
وفي أحلامك أويني
شاردة أنا وساهدة
برعشات نابضة
وتخميني
انك أوقعتني في شباكك
وأسرتني بوصالك
وايقظت بركانا بي خزين
في همساتك هوى
وفي لمساتك جوى
في نظراتك غوى
وذاك شيء يطريني
وأنا ما عاد يعنيني
سوى أن أحتضنك الى حياتي
وأسربك من مساماتي
وأغرسك في شراييني
وأنا في حياتك يكفيني
زاد روحك
وماء ينابيعك
وان قلت أحبك تحييني
يا مدهشي يا ملهمي
القلب بك مفعم
يا مشعلا شبقي الدفين
يا مخترقا صروحي
ومطلقا جموحي
يا مستنفرا حواسي ومستفزا مجوني
يا رجل كل ما فيك يغريني
لأن أمضي اليك
وألتحم بك
وأنزرع من بذورك بجنيني

Monday, January 14, 2008

عشوائيات مصرية

أجلس أمام شاشتي وقد فتحت أمامي 5 صفحات , واحدة منها محاولة شعرية ابتدأتها قبل أكثر من أسبوع لكنني عاجزة عن التواصل معها لغويا , وصفحة أخرى لسطوري الشخصية التي ألقيها في ركن خفي من الفضاء السيبيري , وصفحتين عن مشاهدات مختلفة في مصر وصفحة خامسة بيضاء , لا سطور فيها , لحنين فلسطيني لا أدري كيف أعبر عنة بعد
صفحات مبعثرة , وسأحاول على الأقل لم المصريات مع اختلاف المواضيع لكنها تعكس جميعها حالة الفوضى والعشوائية التي يعيشها هذا البلد
طالما حدثتكم عن حبي لوسط البلد وعمارتها القديمة التي كلما أراها أشعر بالقهر بالخسارة بالفقدان , اغتيال حضاري بطيء يتم أمام أعيننا ولا نملك امامة سوى الحزن والصمت ,وحدث أن مررت الاسبوع الماضي من شارع عدلي وفوجئت بالمعبد اليهودي القديم هناك وقد رمم بالكامل , ليس لدي شيئ ضد ذلك بالعكس أحترم كل مبادرة بالترميم أيا كانت ,وليس في ذلك ما يغضبني انما تدهشني العبثية في هذا المشهد فكيف يكون المعبد اليهودي هو الوحيد الذي يرمم من بين عشرات العمارات المتأكلة في قلب القاهرة؟
هل لأن لهذا المعبد من يهتم بأمرة كالسفارة مثلا؟ بينما استعبدت بقية العمارات لشركات التأمين ؟ هل يمكننا الاضافة لذلك الكثير الكثير من اللامبالاة العامة ؟
تعتني بالمعبد سيدة عجوز هي اليهودية الوحيدة الباقية في القاهرة , لا أدري كم سنها بالضبط ربما ثمانينية ربما تسعينية لكنها تبدو لي أزلية وكأنها خارجة من لوحة بالأبيض والأسود من كتاب قصص شعبية , بالتجاعيد العميقة التي حفرت تاريخا في وجهها ونظارتها السميكة وفمها الخالي من الأسنان وعكازها الذي تنحني لتتكأ عليه بيديها الاثنتين , وجسدها الصغير المرتعش وملابسها القديمة وشعرها الأشيب الكث الذي يلوح من تحت قبعة الفرو الرمادية الملازمة لرأسها , دائما كنت ألاحظها في دار الأوبرا , تلف المدرج بعكازها الى أن تجد لنفسها مقعد استراتيجي , ويبدو أن هنالك مجموعة من العواجيز المواضبات على حضور الأوبرا وجميعهن تعرفنها وتنادينها بالاسم , استر على ما ما أذكر , فتتوقف بجانب كل واحدة منهن للسلام الى أن يبدأ العرض , رأيتها أخر مرة في عرض بالية أوبرا أوديسيوس , تصوروا أن
يكون لهذة العجوز طاقة لاستيعاب هذا الفن والاستمتاع بة , وبعيدا عن مأساة الفن المعماري في وسط البلد , تعكس لي هي وصديقاتها حالة من الصفاء عاشتها مصر يوما ما , حالة من النقاء , من طاقة للحياة واشكت على الاحتضار , ولو أنها ما زالت تنفح من قلب هذا الشعب , حدثتكم عن هدى الشغالة أم الأربعة أطفال التي تأتي لمساعدتي على تنظيف البيت في العطل الاسبوعية وبما أن هدى انزلقت وكسرت كاحلها فهي تبعث لي أمها لتقوم مكانها , وأم هدى ربما في أواخر الخمسينات , كهلة تشع نشاطا ,قرعت جرس بابي باكرا في ثاني زيارة لها لمنزلي , لتوقظني من نوم عميق وتقتحم الباب بجثتها الضخمة وهي تحمل كيس كبير تضع فية بعض المعدات , من مفكات وبراغي وغيرها , وبدون أي مقدمات وجدتها تنهمك في أعمال صيانة في جميع أرجاء البيت , سباكة في الحمام , بعض مشاكل النجارة في الأبواب والشبابيك ووجدتني أضحك عاليا وأنا أشاهدها مثارة من عفويتها وترن ببالي أغنية يبقى أنت أكيد أكيد في مصر
ذاك الصفاء , تلك الطيبة , ذاك النقاء كأنة أصيب بلوثة فتعيش البلد في جو من العكارة , ينفثها دخان السيارات الاسود والبنايات العشوائية التي تنمو بتكاثر كالفطريات والزبالة التي تلقى في أي ركن كيفما اتفق ,والفساد الذي يعيث في جميع الهيئات والمؤسسات
, والأحقاد الدفينة حتى ليبدو الناس وكأنهم يتخبطون في معركة صاخبة الصمت , وتجد الجميع غارق في كأبة شديدة طالما تداهمني أنا أيضا وأنا أتعايش مع ما يحملة أصدقائي من هموم مادية ومشاكل عائلية , وأذكر بالذات صديقاتي المتزوجات وكل منهن تعاني من ضائقة شديدة في حياتها الزوجية وهي في الغالب أنماط مكررة, هي مجتهدة وناجحة هو كسول وفاشل , هي مليئة بالطموحات وهو مليئ بالأوهام والتهيؤات , هي تكرس معظم أوقات فراغها لة , للبيت , للأطفال ودراستهم وفعالياتهم وهو يغرق في احباط , احباط عادة يترجم الى حقد عليها وغيرة منها وقد ينقطع عن التواصل معها جسديا وعاطفيا وفكريا , وفي الأغلب ينتهي الأمر بخيانة , طبعا أنا لا أعمم هنا انما يصدمني التشابة في جميع هذة الحالات , ومأزق المرأة وعزلتها في مجتمع انحسرت فية الرجولة , والحقيقة فانة ليس من العدل تحميل كل المسؤولية على الرجل , هنالك خلل أساسي في كل المنظومة الاجتماعية , ومناخ اليأس العام يتسرب الى العلاقات الاسرية وحتى الحميمية لتعكس بدورها حالة العجز التي استفحلت بمصر
كانت احدى صديقاتي هؤلاء تنعم بحياة زوجية هانئة وكانت دائما تضحك وهي تقول لي , عندما أسمع عن كل ما حولي من مشاكل أشعر أنني أعيش في سكون ما بعدة عاصفة , حتى هبت في حياتها العواصف يوما ما من خلال تلفون جائها من مجهول قبل سنتين , ولا ليس هذا سيناريو لفيلم هابط , بل هذة حقيقة ما حصل , فقد أبلغها الرجل أن زوجها متزوج من امرأة أخرى ولة منها ابنة في الثالثة من عمرها اسمها رتاج وأعطاها رقم تلفون وعنوان , استهزأت هي واستهزأت معها بالفكرة وضحكنا وأنا أقول لها قصة خيالية , حتى اسم الطفلة يبدو خيالي لم أسمع أبدا بهذا الاسم من قبل
في تلك الفترة سافرت لأهلي لمدة 3 أسابيع اذ خضعت لعملية جراحية بسيطة لازالة اللوزتين , وقبل العملية بساعات قليلة جاء الطبيب المنوم ليعدني معنويا للعملية وأراني جدول العمليات ففوجئت باسم رتاج مسجل فوق اسمي اذ ستسبقني امرأة بهذا الاسم الى غرفة العمليات , أصابتني رعشة وقلت في نفسي , صديقتي في مأزق
طبعا لم يكن الاسم هو دليلي لكن كان ذلك مجرد احساس داخلي صعقني بقوة حالما رأيت الاسم
وصحوت من العملية وصحيت معي الصدمة لكنني لم أستطع التحدث لمدة أسبوعين وحالما عاد لي صوتي هاتفت صديقتي فانفجرت في البكاء عندما سمعت صوتي وفهمت أن ما قالة المجهول على الهاتف كان هو الخبر اليقين
أيا كان لست هنا لأحدثكم عن مشكلة صديقتي والأزمة النفسية التي عانتها وما زالت تعانيها , ولا أريد أن أكرر لكم ما كتبتة عن الزواج العرفي في مدونتي السابقة
ادخلوا مصر ان شئتم أمنين
انما تهمني الأن تلك الطفلة التي بلغت من العمر خمس سنوات ولم ترى أبيها سوى لبضع مرات تعد على الاصابع ,ولا أدري ان كانت ستراة بعد الأن فهو يخشى لقائها باخوتها , أولادة من صديقتي , لكون أمها عملت في الدعارة , وما تهم الحالة النفسية التي دخل فيها اطفالة , وما تهم رتاج , ما تهم حياتها وما يهم ان ذهبت الى المدرسة ولم تجد اجابة لتساؤلات الأطفال البريئة عن أبائهم وأمهاتهم وما يهم مستقبلها , فالجنس في الحلال , بالمفاهيم الزائفة لهذا المجتمع , هو الشيء الوحيد الذي يهم وهو الشيء الوحيد الذي استطاع عقلة الأناني الضيق التفكير بة عندما دخل في تلك العلاقة , وما بعدة الطوفان , وما بعد ذلك ألاف الأطفال الذين ولدوا ضحايا الزواج العرفي الذي يتوج بورقة توفر لكم جنسا شرعيا يضمن لكم الجنة والمغفرة في الأخرة وليذهب كل ما ينتج عن ذلك من أطفال الى الجحيم
من تية أخلاقي من عشوائية , من فوضى في السلوكيات , من معايير مزدوجة , من ورقة هي الثمن الذي يضعة هذا المجتمع لقيمة البالية والبائتة يتكون في هذا البلد مجتمع جديد هو مجتمع اللقطاء , الذين أنكرت حقوقهم حتى من أبائهم , والذين سيرثون عن أمهاتهم نظرات الاحتقار ونبذ الناس لهم , وغالبا سيملؤون الشوارع يطرقون شبابيك سياراتنا ليشحذوا أو ليبيعوا الكلينيكس , وتزداد مصرا انحلالا وتشوها وتغرق في مزيد من العشوائية

Friday, January 04, 2008

كل عام وأنتم بخير

لأن للفجر رحيق الحياة
وسنوننا زادت سنة
ولأن السماء زرقاء
وزرقة البحر تفتننا
ولأن العصافير تغرد على الشجر
ولأن في السحاب وعد المطر
ولأن الشمس برتقالية الغروب
ولأن في الليل رفيقنا القمر
ولأن النبيذ يمسنا مجون
ولأن الألحان تطربنا
ولأن الجوري شهواني اللون
ولأن الزنابق تدهشنا
ولأن الشتاء سيمفوني الايقاع على شباكي
ولأنك هنا

Friday, December 14, 2007

مبعثرات ما بين ماض وحاضر

فتاة القطيف ستجلد
الأن هنا , سنة 2007 شارفت على الانتهاء ولم تأت لنا بما يدعونا للتفاؤل
كنت قد أنهيت سنة 2006 بمدونة ذكرت فيها الحكم بالجلد الذي صدر بحق تلك الفتاة بعد أن اغتصبت على أيدي سبعة رجال , وبعد الاستئناف في الحكم ها نحن ننهي هذة السنة بالتأكيد علية وهو في الواقع تأكيد على حقيقة واحدة وهي أن الهمجية والبربرية أصبحت من سمات الكائن العربي
ما يحدث هنا هو خارج ما يمكن أن يستوعبة العقل وفوق ما يمكن أن يستحملة الضمير
في الجزائر جرت الاسبوع الماضي محاكمة أصولي قام بذبح 11 امرأة قبل عدة سنوات, ولا أدري لماذا تم الحكم علية فقط الان , لكن لم يتغير شيئ منذ ذاك الحين , ففي العراق وخلال الأسابيع الماضية , تم العثور على عشرات الجثث الملقاة في الشوارع لنساء بلا هوية ذبحن بنفس الطريقة وعلى يد نفس العقلية وفي ظل نفس الصمت
كنت قد حدثتكم سابقا عن التهديدات التي وصلت لمذيعات فلسطينيات بالذبح كالنعاج ما لم يتحجبن , هذة التهديدات تعاني منها يوميا النساء العراقيات التي كرسها هؤلاء الهمج إما لزواج المتعة أو لمتعة الذبح , وجائنا الاسبوع الماضي عنوان عن تهديدات أرسلت لطالبات مسيحيات في العراق بالحجاب أو الذبح مما أثار جدلا عن التعدي على حريات دينية لكن القضية هي ليست بكونهن مسيحيات وليست مجرد قضية طائفية وليس السؤال إن أباح لهن الدين بكشف الرأس أم لا , فهل لو كن مسلمات كان الخبر سيأخذ حيز أقل ؟ فإذ لو لم يبح الدين يصبح القتل حلال؟
إنما هي قضية كيان امرأة أصبح مرهونا بحجاب وحياة نساء تقع تحت براثن مجموعة من الوحوش
وإزاء كل ذلك لا يهتز أحد مثلما تهتز الارض من المحيط الى الخليج عندما يتجرأ أحد بانتقاد الحجاب
مثلما صمتنا كثيرا أمام على ما حل بالمرأة الأفغانية بعد اجتياح الطالبان والعرب المتأفغنين
في سوريا وقبل بضعة أسابيع , تناقلت وسائل الاعلام شكاوي بعض النساء , الغير محجبات , عن اعتدائات تتعرضن لها في الشوارع والأسواق ,أكثر من امرأة اشتكت بأن بعض أشخاص حاولوا القاء سائل يبدو أنة نوع من الأسيد الحارق على مواقع حساسة في أجسادهن وقام من ينادي باقامة لجنة للأمر بالمعروف حتى في سوريا؟؟
لكن عادي كل شيئ أصبح عادي فلا عجب إذا كان في استطلاع للرأي العام في قطر حول العنف ضد المرأة في العالم العربي وفي قطر بالذات أعطت غالبية النساء مبررات لهذا العنف وأيدتة مؤكدة أن على المرأة أن تنال جزائها
وما العجب أن يكون هذا هو تفكير المرأة , في ظل الخوف والرعب والارهاب الفكري وعقاب القبر أوعقاب الحياة على يد لجان الأمر بالمعروف , ولا غرابة أن هذة الضحية المحكومة بالسواد المحجوبة عن الضوء , عن الشمس , عن النور , عن العالم , والتي تلقنت أن تتعامل مع جسدها كعورة تحملها ذنوب كل هذا القتل و كل هذة الدماء وأثام كل هذا الدنس الذي عشش في عقل الكائن العربي , لا غرابة أن تطلب لنفسها الجزاء
سنة 2008 على الأبواب ولا يبدو أنها أتية بأي تفاؤل, اغتيال جديد في لبنان وتفجيرات أخرى في الجزائر وغزة ما زالت ترزخ ما بين المطرقة والسدان
وإن كان التفاؤل هو التوسم بالمستقبل فانة هنا ينقلب 180 درجة ليصبح نشوة تستمد من الماضي
ومع أنة ليس من الجديد على هذا الشعب البكاء على الماضي انما ما اختلف هذة السنة كان العودة الى حقبة أقرب بكثير من الأندلس , وذلك أمر مشجع في الحقيقة , ما رأيكم؟
لا يمكننا أن نغض النظر عن الظاهرة التي اسمها المسلسلات الرمضانية بمقدرتها على شل المشاهد العربي أمامها ساعات وهو ينتقل من قناة الى أخرى ومن مسلسل الى أخر , وفي رمضان الماضي , كان هناك حدث فارق في العالم العربي , مسلسلي باب الحارة السوري والملك فاروق المصري
لست هنا بصدد نقد أي من المسلسلين خصوصا أنني لم أشاهد أي منهما انما أذهلتني الحالة التي تحاذي التخدير والادمان التي احدثاها في هذا الشرق وقد ذكرتني بقصيدة نزار عندما يولد في الشرق القمر
و هذا الحدث لم يتوقف عند الانسان البسيط الذي لا يملك سوى التلفزيون للتسلية انما احتل مساحات واسعة في الجرائد والتلفزيون من مقالات وتحليلات وتغطية لم تلقاها حادثة فتاة القطيف ولا جثث النساء ولا أي من الجرائم التي تحدث في دارفور أو العراق الأن هنا
وصدف أن سافرت بالطائرة ما بين القاهرة وعمان في فترة عرض المسلسلين وأثارتني الأحاديث التي شغلت غالبية الركاب عن باب الحارة وسمعت كيف تتوقف الحركة في الكثير من المناطق العربية اثناء عرض المسلسل , ولا نستثني من ذلك قريتي فقد حدثتني أمي بأن فرن جديد افتتح في القرية باسم طابون باب الحارة , المهم أنني قررت مشاهدة حلقة من المسلسل بدافع الفضول الشديد ومحاولة لفهم هذة الظاهرة , لا شك أن الديكور الشامي القديم والاخراج والتمثيل رائع ولا أنكر انة أثار بي أنا أيضا بعض الحنين لحياة القرية وسيرة جدي , انما بعض اللقطات كانت كافية لأن ادرك بأن محور المسلسل يرتكز على قيم المجتمع الذكوري , والسلطة البطرياركية المطلقة للأب ازاء التهميش المطلق للمرأة
ربما التشوية الحاصل في القيم في المجتمع العربي الحالي , ربما حالة التية والفصام التي نعيشها , ربما اندحارنا أمام الغرب وإضمحلالنا أمام ذاتنا , ربما اليأس والاحباط من الحاضر ,ربما هذا ما هو ما يجعل الناس تبحث عن كل ما هو قديم , ولا بأس أن نعيش حنينا الى الماضي لو لم يكن هو منفذنا الوحيد ولو كانت لدينا بعض الرؤية لأفاق أوسع بقليل من ذلك
المشكلة أننا لا نواجه بل لا نريد أن نواجة صورتنا ومرأتنا , نحن ما زلنا نحاول أن نستعيد ما لقنا إياة في كتب التاريخ عن المروءة العربية والفروسية العربية والشهامة العربية , وأين هي المروءة وأين هي الشهامة , أين الانسان العربي من كل ما يحدث الأن هنا؟
أيا كان ليس هذا هو الموضوع انما الصدى الذي أحدثة باب الحارة في بلاد الشام هو نفسة الذي أحدثة الملك فاروق في مصر وفي جميع العالم العربي وجائني بعض منة من خلال أحاديث طاقمي العمل الصباحية التي تتسرب الي من نافذة المكتب وهي تتنوع من الحديث عن الرغيف الى الدولار الى المسلسلات والأفلام الى امريكا الى ايران الى مصر فبغداد , وعلى فكرة فقد كانت اليوم عن الفرخة وربنا يخليك يا حسني الفرخة في السودان بأربعين جنية
المهم أن المشترك بين المسلسلين هو الحنين الى الماضي بل هو أكثر من حنين انة محاولة للدعوة الى زمان عبر
حسنا , لكن أين نحن من المستقبل؟؟
ولماذا مواجهه الحاضر دائما تبدأ وتنتهي بهرب الى الماضي؟
هل تذكرون الشاب الذي حدثتكم عنة في مدونة فصام الشخصية العربية وغربتي والذي اتهم محمد علي بالقضاءعلى مستقبل مصر لانة هو الذي أوقف انتشار الوهابية فيها ولكي تدركوا مدى التية والفصام , نفسة هو أجدة الأن يحضر لي مجموعة من الكتب عن الملك فاروق وهو يحدثني بلهفة عن كم كان حاكما عظيما وبأن ثورة 52 شوهت صورتة الحقيقية
هذة النهضة الفاروقية التي أحدثها مسلسل الملك فاروق جعلت الكثير من الناس تستيقظ مرة واحدة من حلم كان إسمة عبد الناصر ,وقد وجدت كتب فاروق منتشرة بين كل زملائي
لكن لماذا كان الأمر بحاجة الى مسلسل إذا كان الواقع بكل ذرة فية صادم ببؤسة ؟ ولماذا يجب العودة الى فاروق لنقض ما أل الية الوضع الراهن , وهل عبد الناصر هو المسؤول الوحيد؟ وهل فاروق هو مثل لقائد يحتذى؟
أذكر مرة في طفولتي رافقت جدتي للحقل لنقطف التين , كنت ربما في الثامنة , وفي الطريق أخذت تحدثني عن الحروب وفلسطين , وكانت حينها قد عجزت كثيرا وبلغت سن التخريف فوجدتها فجأة تبكي على عبد الناصر وتقول العرب هم اللي قتلوة يا ستي
وعندما عدنا الى البيت حدثت أبي عما قالتة لي جدتي وسألتة من يكون هذا الرجل فأخرج من أحد الادراج شرائط كاسيت كان يحتفظ بها لجنازة عبد الناصر , وكان كتاب لا لنزار قباني الذي ينعي فية عبد الناصر بافتتاحية قتلناك يا أخر الأنبياء , كان ذلك الكتاب هو أول ما قرأتة من شعر في صغري
تلك كانت صورة عبد الناصر لدى كل العرب , قائد خارج أي جدل وفوق كل سؤال , وعندما جئت مصر فوجئت بأن شعبية هذا الرجل بين شعبة أقل بكثير من شعبيتة خارج مصر , وعلي أن أقول أن ثقافتي في ذلك مستمدة بالأساس من سائقي التاكسي
والحقيقة فان من يعيش في القاهرة ويمشي في شوارعها وأزقتها القديمة بمشربياتها التي تطل من عل , في الازهر والمعز وبين القصرين , ويتعرف على حواري العباسية ووسط البلد والكوربة ويجالس المسنين الذين أتوا من تلك الحقبة والذين ما زالوا محتفظين بعبقها ونكهتها , لا بد لة أن يدرك ان النقاش على عبد الناصر هو ليس نقاش عن لو كان هذا الرجل قد حرر مصر أم أعادها عشرات السنين الى الوراء , عن ما أنجز وما لم ينجز , عن حسناتة وسيئاتة , عن ولاءة لمصر أم عن اقحامها في حروب ليست لها , عن أن كانت دعوتة للوحدة العربية نابعة عن صدق أو عن كولونيالية , عن ان كان نزيها أم فاسدا , انما عن شخص غير وجة مصر , وعن قصد أو غير قصد إغتالها كمفهوم ومحاها كفكرة
لكن يبقى عبد الناصر فرد مجرد فرد ذنبة كدكتاتور اقل بكثير من ذنوب عشرات الملايين التي نصبتة الها
ناصر رحل قبل ما يقارب الأربعين عام , سنين قبل ماو وسنين قبل فرانكو ,وسنين كافية للتمرد على كل ما هو مجحف وضد كل ما هو جائر والمضي قدما مثلما مضت بقية الشعوب وتركت الماضي ورائها , أحيانا تخجل منة وأحيانا تفخر بة لكنة يبقى لوحة مجرد لوحة معلقة على حائط متحف

Sunday, December 02, 2007

مطر دافئ في خريف الأمنيات

وهطلت مطرا دافئا
في خريف أمنياتي
تروي ما ذوى في أرضي
وتقتلعني من جذور متاهاتي
تشق لي دروبا تثري أفاقي
تجرفني الى حيث لم أكن

وترعش بنشوة حياتي
عندما تكون معي
تزهر جنائني براعما
فواحة بعطر أنوثتي
ورحيق مذاقاتي
بحضورك
أنثى بداخلي تود أن تنطلق
بحناني بأمومتي
بعشقي بجنوني بشهواتي
بكل ما يختبئ وراء أقنعتي
من ضعف ومن قلق
من رقة أو قوة أو غضب
بكل أحزاني وكل مسراتي
بكل كلام سكت
وكل حلم رقد
بكل ما بي من إعياء ومن تعب
بكل معاركي وصراعاتي
بكل ما يعتمرني
من أحاسيس ومن عواطف
من سكون ومن عواصف
بكل غرائزي وكل رغباتي
بكل ما واريتة في مكامن نفسي
بكل ما همد من ثوراتي
أود أن إليك أبوح
أن أعبر أن أحكي
أن أضحك ان أبكي
وأن أعتق روحي من زنزانة ذاتي

Thursday, November 15, 2007

في هذا الزمان والمكان

في مقدمة كتاب نيران صديقة لعلاء الأسواني يستعيد الكاتب مقولة مصطفى كامل , لو لم أكن مصريا لوددت أن أكون مصريا , لكنة ومن خلال قصص قصيرة يضرم النيران في المجتمع والمؤسسات ويعطيك كل الأسباب التي تجعلك لا تود أن تكون مصريا
حبي لهذا البلد والذي دونتة لأول مرة في مدونة وسط البلد , لا يخفى عليكم وان لم أكن مصرية لكنني أحب مصر لدرجة تجعلني أعيش حالة من خيبة الامل الشديدة , مش بيقولوا على قد المحبة العتب كبير؟
علاء الأسواني يبتدأ كتابة بقصة بعنوان الذي اقترب ورأى وأنا اقتربت ورأيت , وبعد مدوناتي الشعرية الأخيرة أعود اليكم بعيدا عن الرومانسية لسرد مشاهدات واقعية لا تعميم فيها , فاعذروني لو قسوت وإعتبروا كلماتي نيرانا صديقة

دائما ما أتجول مع أصدقائي في وسط البلد وأتوقف كثيرا عند العمارات القديمة , بمداخلها الواسعة المزينة بالنوافير والتماثيل وجدرانها المنقوشة بحالات فنية ترسم لك وجه مصر من زمان وتثير بك بعض الحنين والشجن فتشعر بأنك تريد أن تدخل من هذا الباب أو تجلس على تلك الشرفة لكنك حالما تغض الطرف وتمضي وكأنك عاجز عن النظر الى عزيز يرقد على فراش الاحتضار وأنت ترى كيف إتشح ذاك الزمن بغبار الشوارع الأسود وكيف أهملت المداخل وكيف تكسرت الشبابيك ولاح من داخلها ظلام وخواء
في أي بلد أخر كان ممكن لأي عمارة من تلك أن تتحول لتحفة فنية أما في وسط البلد فقد أصبحت علامة فارقة للجهل , لحضارة كاملة في انهيار
مجد مضى وما بعدة زمن البؤس والانكسار
وللبؤس مشاهد كثيرة في هذا البلد , من عجوز تتجول بين عشرات السيارات في مفترق طرق تبيع الكلينيكس وتستعطف بعض الجنيهات , الى المنظر الذليل لمئات الرجال الذين مسحت رجولتهم بتراب الارصفة التي يفترشونها بملابسهم الرثة وأدوات عملهم البائسة في انتظار أي رب عمل يأتيهم ببعض الاعمال اليومية الشاقة
وللقهر مسارح عديدة من موائد الرحمان التي يمن بها الاثرياء من الممثلين والمغنيين على الفقراء , الى طفل يقضي ليلة جالسا القرفصاء في الشارع بدفاترة وقرطاسيتة يعد وظائفة المدرسية وهو يشحد
إلى طفلة تعتني بأطفال أسيادها في حمام السباحة وهي لا يحق لها ملامسة الماء
لطالما إستثارني هذا المشهد منذ قدومي الى هنا وما زال , مشهد العائلات التي تخرج باطفالها للنادي أو الساحل أو المجمعات التجارية بمصاحبة الخادمات وأكثرهن من المراهقات تعتنين بالأطفال أو تسرن من الوراء بخنوع محملات بأكياس المشتريات
ولكل تسعيرتها فهنالك الفيليبينية التي تأخذ أضعاف أضعاف المصريات وهنالك السيريلانكيات والأندونيسيات والسودانيات والاثيوبيات والنيجييريات و و
وعلى قدر ما تستفزني المعاملة الفظة التي تلاقينها تلك المسكينات من الأمهات وتباعا من الأطفال الذين يتعلمون منذ صغرهم كيف يتقمصون أدوار الأسياد , الا أن أكثر ما يزعجني هو إستباحة القدسية للعلاقة الحميمية بين الأم وأطفالها فما معنى أن تخرجي للتنزة بأطفالك وتفصلك عنهم خادمة , إستوعبت قديما أننا شعب كسول لكنني لا أستطع أن أستوعب كيف تكسل أم عن دورها كأم ولا أسمية دور على قدر ما أرى فية نعمة الهية بوركت بها , فكيف لا تري النعمة وكيف لا تجدي المتعة بمشاركة أطفالك إكتشاف العالم خارج حدود البيت وكل ما يثيرهم بة من الأشياء الصغيرة
وكيف يصبح التفاخر بخروجك مع خادمة أجمل من كونك أما
وفي الحقيقة فليس هذا بكسل انما هو أحد طقوس التبجح في مجتمع الزيف والمظاهر , والتبجح هو سمة مكتسبة منذ الطفولة فقد يستدين الاهل ليوفروا لاطفالهم ملابس أو أحذية ذات ماركات عالمية لكي يتبجح بها الاطفال كما شاؤوا فتصبح ماركة حذاء نايكي ماركة لقيمتك
وهو مجتمع الستائر , حيث يتوقعون منك أن تكون كما يريدونك أن تكون , وليس كما أنت , من السيارة التي تقتنيها , لو كان أصلا بامكانك أن تقتني حمار , وحتى تفاصيلك الحميمية
ولهذا تلبس الفتيات ملابسا ضيقة ترضي أنوثتها وتغطي شعرها بقطعة قماش ترضي بها مجتمعها
أنت هنا تكون لنفسك ألف قناع وتعيش بحياة مزدوجة ما أمام الستائر وما وراءها
وما أمام الستائر تكون الحياة عبارة عن تمثيلة أو مسرحية أو خديعة كبرى
أما ما ورائها فحياة مشحونة بالغيرة والحقد والشك , من العلاقات الأسرية وحتى العلاقات في العمل
غيرة الرجل من زوجتة لو نجحت في عملها , حقد الزملاء على بعضهم في العمل والشك في كل من حولك
ودائما ما أصدم بشكاوي العمال عن بعضهم البعض وهي في الغالب في منتهى التفاهة ولو حاولت المصالحة أرتطم بألف جدار وقد ينتهي بي الأمر لأن أفقد السيطرة على نفسي وأنفجر في الضحك أو أن أخبط رأسي بجدار , إنة فكر الدسائس والمكيدة , فكل فرد مسكون بالتوجس , بأنة لو أدار ظهرة يصبح معرضا للكلام والسخرية وأعمال السحر والشعوذة
أما شكاوي العمال عن ظروفهم الشخصية فهي شهادة صادمة على ما أل الية هذا المجتمع من بؤس وإنحلال أخلاقي وعلى منظومة إجتماعية في حالة من التمزق والتشتت , وقد تتنوع من فتاة طردتها زوجة أبيها من البيت , أو أخرى تتعرض للانتهاك الجنسي من ذكور عائلتها, أو أم تزوج زوجها بأخرى ومنع عنها أطفالها , أو من لا يكفيه مرتبة لمصاريف علاج
وللقمة العيش ثمن كبير في هذا البلد , ثمن يحاذي كرامتك وفي أحيان كثيرة قد يدوس عليها بألف حذاء
في رواية حكايات الخبيئة لجمال الغيطاني يصف لنا الكاتب حال الفساد في مؤسسة مصرية بأسلوب يجمع ما بين الواقع والخيال والواقع فإن الفساد هنا يصل ذروات تفوق الخيال ,وعندما ابتدأت بقراءة هذة الرواية كان بي فضول شديدة لمعرفة المؤسسة المقصودة , الا أنني أدركت أن هذا هو حال البلد بجميع مؤسساتة , بما فيها الشركة التي أعمل بها
فكل شركة أو مؤسسة هنا هي صورة مصغرة لهذا البلد
فساد في الادارة والتخويف هو الوقود لمحركاتها , وخنوع من العمال إذ أن الخوف على لقمة العيش هو المبدأ الوحيد الذي يعتنقة الجميع
وهنالك أساليب عدة للتخويف من مؤسسات الدولة الى أشياء غامضة مبهمة لا أسس ولا وجود لها
لكن الخوف يتسرب الى العقول من مسامات الجهل ويتغذى من الكسل والخمول والجبن والركود الفكري
والفساد أشكال وانواع ومشاهد تذكرك بفيلم هابط سيئ الإخراج
لكنة مهما تنوع من رشاوي جنسية او مالية ومن إمتلاك ما تهواة من العاملات الاناث , أو توظيف من تشاء من أقاربك معدومي
الكفائات أو تولية عشيقتك الأمية أو قريبك الجاهل وظائف تفوق ذوي الخبرات والشهادات , والاختلاس الشرة لما تقع علية يداك , ومهما تضمنتة أساليبك من إذلال ومهما إحتواة كلامك من شتائم واحتقار
يبقى الخوف سائد وتبقى الرؤوس مطاطئة وتبقى نعم حضرتك وسيادتك يا أفندم هي الرد الوحيد
وتأمر يا باشا فنحن نحبك ونخشاك كثيرا لكننا نكرهك كثيرا كثيرا ونحقد على سياراتك ونسائك إنما نحترمك لمالك وجاهك

لم أحدثكم عن هدى , أم لاربعة أطفال , زوجها يعمل في ليبيا , ويبعث لها ثلثمائة جنية في الشهر, بينما تعتني هي بالاطفال وأصغرهن دون السنة , وتحاول العمل في العطل الاسبوعية
هدى تأتي الي أيام الجمعة لتساعدني على تنظيف شقتي , أحيانا تحمل معها رضيعتها ,و دائما عندما أمر أمام محلات الأطفال التي أرخص بدلة فيها تفوق المائة جنية , تمر ببالي ابتسامتها وهي تخبرني أنها اشترت لبس العيد لأطفالها
ذات يوم إشتريت بعض أدوات التنظيف ومنها فرشة صغيرة للموكيت بحجم كف اليد , ثمنها ثلاثون جنيها وقد التقطتها عن الرف في السوبرماركت من غير أن أنتبة لسعرها , هدى تتقاضى ثلاثون جنيها مقابل يوم عمل في البيوت الأخرى ولا يهم ان كنت أعطيها أنا القليل أكثر من ذلك
المهم أنني من حماقتي نسيت أن أزيل ورقة السعر عن الفرشة ورأتها هدى
ولن أسميها حماقة على قدر ما هي السهولة التي نتعامل بها مع كل ما هو مجحف حولنا ومع التناقض الموجود بين عائلة كاملة تعيش من ثلثمائة جنية في الشهر , أو أقل , يصرفهم أحدنا على حذاء أو وجبة عشاء في أحد مطاعم القاهرة
أتت هدى وبسذاجة شديدة لتسألني , هي الفرشة دي بثلاثين جنية؟
وكأنني تلقيت صفعة ,وكأن كل ما أراة حولي من تناقضات زاعقة الى السماء صعقني مرة واحدة
فجميعنا هنا تعودنا كيف نطوع ونروض ضمائرنا لكل ما نشاهدة وما نحياة في هذا الزمان والمكان

Wednesday, November 07, 2007

تهيؤات

تبعث بي للفرح أمنيات

تؤجج في غرائزي حرائقا وتستدعي بي نزوات

وتثير في جسدي رجفة ثم رعشة فبراكين فنشوات

تنير في الروح ضوءا وتملئ القلب دفئا

وفي عالمي تشعل ثورات
تهد أسواري تحطم أصفادي
وتفتح أمام أجنحتي فضاءات

هل ذلك أنت أم أنها مجرد تهيؤات

Sunday, November 04, 2007

أحاسيس مبعثرة

أعود لمحاولاتي الشعرية المتواضعة ,وهي أحيانا وحي لحظات ترعشني أو بعث ذكريات ما زالت تسكنني , وقد تكون مجرد تخيلات أو إستحضار لمشاعر عايشتها وتناثرت من مساماتي وتلاشت بفعل الخيبة والنسيان , لربما إستحضارها يملئ بعض ما بداخلي من خواء
وأحيانا كثيرة يتداخل الماضي بالحاضر بالأمنيات فأجدني أشبك مشاعرا متناقضة وأخاطب أكثر من رجل مع إختلاف التساؤل واختلاف التجربة واختلاف الزمان
وبعد أن تبدأ كلماتي بالانسكاب أفقد السيطرة على أناملي ولا أعد أدري ان كنت أطوع القصيدة للمعنى أم المعنى للقصيدة فتأتي النتيجة في شبكة من الأحاسيس المبعثرة وأعذروني إن سميتها قصيدة هي مجرد محاولات والسلام

كلما اقتربت منك خطوة
تبتعد خطوة
وإن نأيت عنك خطوة
تدنو مني خطوتين
تبحث في أحضاني عن سكون
وحياتي في أحضانك عاصفة
تشتت أفكاري بجنون
معربدا بحواسي مؤجج العواطف
أضع النقاط على حروفي تبعثرها
أوقف الفواصل بين كلماتي تكسرها
أنهي جملي بنقطة تليها بنقطتين
وإن سألتك عن معنى تأتيني بمعنيين
عميق الروح غامضها
كلما فتحت فيك بابا تواربني ببابين
يمسني سحر في سراديبك
وأتوة بحثا عن مفاتيحك
أحتار وأتعب , أمضي وأهرب
وأوصد أبوابي بمصراعين
تطل من نافذتي تحاصر عزلتي
تدق نقرة فأرق سكرى
ونظرة وهمسة أذوب وأنسى
وتذوب أقفالي وتغمرني غمرتين
أعود لأحضانك
وتعود لأهوائك
صارما وناصفا
عابثا وعاسفا
وإن إستغثتك تحكم باليقين
تزيد من حيرتي حيرتين

Monday, October 29, 2007

لأمي


لماذا كلما حاولت الكتابة عنك تهرب من قلمي الحروف وتضطرب في سطوري الكلمات
أمي يا جميلة أنت , أيتها الرائعة الكرملية
لماذا تعجز مفرداتي عن أن تعبر لك عن المساحات الشاسعة التي تسكنينها بداخلي , أمي أنت لك مفردات خارج الأبجدية ,
فاعذري هذا الندر من الكلام الذي استطاعت أن تلملمة أبجديتي وسامحيني على شحيح بوحي يا غالية
نبرات صوتك المرتعش بشوق والمرتجف بقلق والمتدفق بحنان تنسكب من اسلاك هاتفي وترتسم لوحاتا لوجهك
فتبدو أحيانا صارمة لأعود طفلة كسولة ترفض الذهاب للمدرسة , وأحيانا واهنة فأعود كما أنا امرأة مغتربة تؤرق ليلها أنات جسدك الذي استبد بة عنفوان أمومتك
وتتوهج ألوانها كاشراقة ابتسامتك التي تحضنينني بها بعد بعاد , وتنطفئ كخضار عينيك التي توقدت وأشرقت ونصعت وأبهرت وبهتت من سنين ومن عياء
وتنبعث في بيتي البعيد عنك رحائقك الممزوجة بقهوتك الصباحية وروائح غسيلك وأدوية أمراضك وتوابلك الشرقية ومذاقات طبيخك وعبق أمومتك النفاذ المتغلغل في مسامات الجسد وشرايين القلب ومغارات الروح
وتنحفر في قلبي أخاذيذ تعب حفرت في وجهك
جسدك الهش الذي طالما انحنى ليعجن الطحين لخبز أطفالك أو ليفلح الأرض لتنبت أزهارا وورودا تشبهك , كان أصغر من مساحات أمومتك الفلسطينية فنمت حقولا وغاباتا كزيتون الجليل وصنوبر الكرمل
فجرا تصحين تتربعين الأرض أمام لجن الطحين ,تعجنين وتخبزين , تغسلين وتطبخين ربيعا وصيفا خريفا وشتاء فجرا تصحين
وفي منتصف الليل تصحين في عز االبرد والمطر تشدين غطاء السرير فوق أطفالك وما يهم ان كنت تبردين
وما زلت في البعد أصحو على بريق عينيك ينير ظلام غرفتي ويديك الصغيرتين تمسدان شعري وأشعر بأنفاسك تلامس وجهي وأنت تنحنين لتغطينني , هل تدرين؟
خشنت اليدان وذوى بريق الوجة وناء الظهر وانكسر تحت ثقل عطائك
يا رحومة لم تعرفي أبدا كيف نفسك ترحمين

Saturday, September 22, 2007

نهايات وبدايات

أشعر أحيانا أن ما ندونة لو قدر لأبنائنا أن يقرأوة فسيكون شهادة على هذا العصر , لا أذكر أين قرأت مرة عن أوروبا قبيل الحرب العالمية الثانية حيث تنبأ الناس البسطاء أو شعروا باقتراب الحرب , لكنهم لم يفعلوا شيئا ازاء ذلك, وهذا ما نحن علية , نقف على بوابة الدمار وقد فتحت من جهة واحدة ونحن في انتظار فتح الجهة الأخرى
نعيش حالة من العبثية , واللاجدوى في كل شيء هي الاحساس السائد, العراق تشرذم ولبنان ضاع وفلسطين انقسمت قبل أن تنولد ولو كانت الحرب العالمية الثانية فاتحة ازدهار لأوروبا فنحن لا نملك الرفاهية حتى للأمل في أي ازدهار في عصر الظلمات الذي نعيشة
في الفترة الأخيرة أجدني غارقة بلذة شديدة في بدايات أمين معلوف , وجدة اللبناني الجبلي بطرس الذي رأي في نفسة عثمانيا وطنيا ذا رسالة فرفض الهجرة وأصر على البقاء في موطنة وقد كان يحلم بامبراطورية عثمانية علمانية متحضرة تناهض أمريكا في الشرق , وكل أعمامة الذين اختاروا المهجر وانقطعت أخبارهم في الشتات , ويذكرني هذا بعمة أبي , فيليسيتية أو فرحة بالعربية , التي أتت مصر طفلة في العاشرة مع احدى الراهبات
في بداية القرن العشرين , وبقيت هنا حتى كبرت وتزوجت من أرمل مصري كان والدا لصديقتها وانجبت منة ثلاثة أطفال ذكور , اتت بهم لزيارة أهلها في أواخر الثلاثينات ولم تكن تعلم أنذاك أن سنة 48 سترسم على خريطتنا حدودا تحول بينها وبينهم وأن تلك ستكون أخر زيارة لها لأهلها حتى حرب حزيران سنة 67 عندما عبرت لوحدها جسر اللنبي وأتت لزيارة أخواتها بعد فراق دام قرابة الثلاثين عام , ثم زارتهم ثانية سنة 83 بعد أن عاشت لبضعة أعوام في فرنسا وحصلت على جواز فرنسي يتيح لها دخول فلسطين وكانت تلك أول مرة أتعرف عليها واخر مرة أراها , وكان جدي حينذاك هو الوحيد من بين أخواتها المتبقي على قيد الحياة , لكنها مع الأسف كانت مشوشة الفكر وقد فقدت بعضا من ذاكرتها , فأحيانا كانت تجلس أمام جدي ولا تمل من التأمل فية فتقول لي وأنا أجلس بجانبها وكنت مثلها مغرمة بة بصي والنبي ملك كأنة الملك فاروق وكانت تحتفظ بلهجتها المصرية , وفي لحظة أجدها تتوة وتسألني أين هي ومن ذا الرجل الذي يجلس أمامها , قضت معنا برفقة ابنها مارسيل وعائلتة ثلاثة اسابيع وتوفيت بعد سنة من تلك الزيارة
عمتي رحلت عن مصر هي وأولادها سنة 62 الى لبنان وما أعرفة عن تاريخها هنا قليل جدا ولا يتعدى سوى أنها كانت تعيش في شارع يسمى دارا في سيدي جابر في الاسكندرية وكان مارسيل قد كتب كتابا عن ذكرياتة في الاسكندرية بعنوان الاسكندرية وردة بين صفحتين لكنة مع الاسف كتبة بالفرنسية التي لا اتقنها أنا جيدا
وتثير بي رحلة معلوف في تاريخ اجدادة رغبة شديدة بالبحث عن هذا الشارع وعن جيرانها وأصدقائها بل وأكثر من ذلك , بالبحث في تاريخ جدي وكل ما تبقى لدى أبي من رسائلة ووثائقة , وربما سأجد الوقت لذلك يوما ما
لا تخفى عليكم حيرتي وعزلتي عن كل ما يحيطني , كثيرة الشرود , مشتتة , والحياة من حولي كأنها في حالة من الركود , وكتاب معلوف هذا ورحلة عمتي يجعلاني أفكر كثيرا في رحلتي الى مصر وأنا أشعر بأنني وصلت الى مفترق طرق ولا اعرف كيف أستمر ومن أي طريق أمضي
أفكر كثيرا فيما أنجزت وفيما لم أنجز , في فضائات تطلقها من حولي أجنحتي الحرة , وفراغات يحفرها بي بركان أمومة لم أحققها بعد
في اصدقاء لي هنا ترعبني فكرة رحيلي عنهم
في اختياراتي الخاطئة وفرصي الضائعة , في حياتي المهنية الناجحة والتي كان بالاحرى أن تدفعني الى نجاحات شاهقة , الا أنني أجدني أتوة عن طريقي اليها أو ربما علي أن أعترف بأن شيئا في داخلي يهرب بي منها ويدفعني الى خارج هذا العالم , عالم الادارة والصناعة ,شيء يحيرني ويحير معي زملائي الذين يشعرون بطموحي المنطفئ ويتسائلون ما الذي حصل لطاقتي العملية
لا أدري ما الذي حصل ولكن الحياة تبدو لي كرحلة لا تنتهي في أعماق روحنا وأنا في رحلتي هذة ألمس في أعماقي طاقات مكومنة ما زالت تبحث عن مساحات تبعث فيها , مساحات لا تتيحها لي حياتي وعوالمي الحالية , وأجد من حولي عوالما لم ادخلها بعد لكنني ارى فيها الكثير من التحديات والاثارات التي تسحرني وتمتص اليها كل ما بي من رغبة
ومن طموح , رغبة باختراقها من جميع ابوابها وابتداء دروب جديدة في حياتي أحقق فيها معان أخرى لذاتي وكياني
في مراهقتي دائما حلمت بان أكون صحفية ولكنني لم اشأ العمل في الصحافة الاسرائيلية لأنني خشيت انها قد تقيد حريتي في قول ما أريد ان أقولة للعالم , وانتم تدركون ظروف نشأتي
فاخترت طريقا أخر , وصلت معة الى اختياري الأكبر والأهم , اختيار المجيء الى مصر , والذي كان بداية لاختيارات أخرى كتبت وربما حسمت مسار حياتي
تبدو لي العودة الى موطني الأن مستحيلة , عندما اخترت الغربة لم أدرك أنني سأفقد سبيل العودة , ولم أدرك عندما دخلت مصر أن الخروج منها سيكون قاسيا كانفصال الروح عن الجسد
أحد العاملين معي في الشركة , أمين المخازن , واسمة امين , رجل تقريبا في سني أو ربما يكبرني بأعوام قليلة ,شديد التدين , شديد الطيبة , أحيانا كثيرة يقضي الفجر في الجامع الى أن يحين وقت العمل فيصلة وهو في حالة فاضحة من الصفاء الذهني , أمين شديد الاجتهاد , شديد الحزم , شديد الاخلاص في عملة , رحلتنا مع بعض ابتدأت منذ بداية عملي في الشركة قبل عشرة أعوام , عرفتة عاشقا لكريمة ومن ثم زوجا لها ثم أبا لطفليها , مسيرة حياة او شريط ذكريات كما يسمية هو , و
علاقتنا كانت دائما قوية , دائم السؤال عني وكثير القلق علي , اذكر أول مرة تصادمت معة في جدال حول مشكلة في العمل , وارتفعت أصواتنا على بعض , ذهبت الى مكتبي مرتعشة , كعادتي بعد أي نوبة غضب , وانفجرت في البكاء وبعد أن هدأت ذهبت لمصالحة أمين فوجدتة منعكفا وعندما نظر الي كان دامع العينين , من يومها عرفنا كم نعز على بعض وتعلمنا كيف نتجاوز خلافاتنا ونتفادى أي تصادم برغم ضغوط العمل التي تخرجنا يوميا عن طورنا , ولم تتغير علاقتنا حتى بعد ان انتقلت المخازن الى ادراتي واصبحت مديرة لة
في وجه أمين الذي تعتلية زبيبة صلاة كبيرة و تشوهه عين غشاها البياض , الكثير من السكينة والنقاء , نقاء داخلي يشع في ابتسامتة وحتى في غضبة وفي تعابير وجهه عندما يحدثني عن أطفالة وكيف أن الولد ابن السادسة أصبح يرافقة الى الجامع لصلاة التراويح وكيف تستجيب الطفلة ابنة الرابعة المعاقة ذهنيا وجسديا للعلاج الطبيعي وكيف تجلس مستسلمة في حضنة لتأكل وكيف تضحك لأخيها وكيف لم تنطق بعد وكيف لم تخطو بعد
وعندما أنظر الية أرى هالة ملائكية تحيط بوجهة ولا ادري ان كان غيري يراها , هالة تقف دائما أبية الانكسار أمام كل ما يتسرب الى هذة الشركة من فساد كحال أي مؤسسة أخرى في هذا البلد
قبل أيام دعوت فريقي العمل لافطار رمضاني ولم يحضر أمين وبعدها علمت من صديق لة أن أمين زعلان مني وهو يشعر بمللي وابتعادي وانفصالي عن شؤون العمل اليومية , أمين يشعر بعزلتي وربما تخيفة فكرة رحيلي عن المكان
وعندما عاتبتة , اعتذر واحتضنني وطبع على وجنتي قبلة , كانت أول قبلة منة منذ تعارفنا
قبلة من صديق , شيء عادي جدا , لكنني لم أراها اعتيادية أبدا , فقد رأيت معان كبيرة في قبلة أتت من هذا المسلم الورع الى مديرتة المرأة المسيحية في يوم رمضاني في بلد يعتبر بعض رجالة النظر الى امرأة كسرا لصيامة ويغض النظر عما يرى فية عورتها ويتجنب بعضهم ملامسة كفها الممتدة للسلام
توقفت طويلا عند نقاء أمين الذي تجسد كلة في هذة القبلة واستغربت لما أل الية حال هذا الشرق من تعصب وكراهية , من أين انصبت براكين الحقد هذة وكيف أحرقت حماها كل ما كان فينا من طيبة شرقية الملامح
لا ادري لماذا ذكرت أمين , جزء من شرودي وبعثرتي ,وربما لأن بعض الاشياء الصغيرة تؤثر فينا كثيرا , واعود لما أحاول أن أعبر عنة , فلا بد أنة أن الأوان لأن أقفل بعض الأبواب وأفتح أبوابا أخرى , أن الأوان لأن أخط في حياتي سطورا لانطلاقات جديدة وبدايات جديدة لكنني ما زلت عاجزة عن كتابة ما يسبقها من نهايات

Thursday, September 13, 2007

يا بلد

كل سنة وانتم طيبين
اعود اليكم بعد اجازة طويلة وأسفة لتاخري في الكتابة , راجعت مدونتي من أول ما ابتدأتها ودهشت لكل ما كتبتة فمؤخرا أجدني عاجزة عن التدوين كأنني فاجئت نفسي بموهبة أدبية بلغت افلاسها ,غريب أمر الكتابة الأدبية , لست فنانة فانا امرأة عملية ولكن من خلال تجربتي التدوينية لمست ما يسمية الفنانون بالوحي , تأتيني لحظات من حيث لا أدري أجد في داخلي كلام يتدفق فيخط نفسة تلقائيا على صفحاتي أقرأة مراجعة وأستغرب أن أصابعي هي التي كتبتة لكأنة انسكب من ذات أخرى ليست أنا , الأن لست في حالة أدبية لكنة أول ايام رمضان والمكتب هادئ جدا وأنا أمر بحالة ملل شديد فأتيت للتحدث معكم قليلا
لا أدعي أنني على علم بحال الصعيد , غير ما يقصة علي زملائي صعيديي الأصل , ولا أعتقد أنهم هم أنفسهم على دراية بما يحصل هناك لأنهم جميعا يعيشون في القاهرة وقلما يسافرون الى الصعيد
أذكر هذا الان لأنة قبل أيام زارني في المكتب مندوب من الغرفة التجارية ويبدو أن الغرفة تقوم باستفتاء عن مستوى الخدمات الحكومية العامة , كمصلحة الماء والكهرباء والكيمياء , واتحاد الصناعات والجمارك ووووو
المندوب تسائل عن مستوى الخدمة التي تتلقاها الشركة الصناعية التي أعمل بها , من هذة الهيئات , قدر استفادتي منها او مدى الاعاقات التي قد يسببها سوء الخدمة للانتاج والتصدير
اول مرة أصادف هذا النوع من الدراسة واعتبرتها بادرة حسنة مع أن الرجل يقوم بطرح الاسئلة بطريقة روتينية جدا كما يليق بموظف حكومة ممل وكسول
المهم انة في أخر الاستبيان طرح علي بعض الأسئلة عن الصعيد , ما هو رأيي في الاستثمار في الصعيد , ما هي الفوائد التي قد يعود بها تصنيع الصعيد على شركتي العاملة بها وعلى الصعيد نفسة وعلى البلد بشكل عام الخ
سألني الرجل لماذا لا تفكرون في الاستثمار في الصعيد , أجبتة باننا نحتاج الى عاملات انتاج وعلى ما أعلم عدد كبير من العائلات في الصعيد يرفض عمل الفتيات
لا لا لا يا مدام مين قال الكلام دة , 60 بالمائة من الفتيات يعملن في الصعيد
نسبة لا أعتقد أنها موجودة ضمن الذكور ولا حتى في القاهرة الا اذا أردنا أن نعتبر كل العمال اليوميين الملقيين على أطراف الشوارع في انتظار رحمة أرباب العمل , عاملين
قلت للرجل ان تصنيع الصعيد يجب أن يقع على جدول الأوليات لكن يجب أن تكون هنالك شبكات طرق معبدة ,وصالحة للنقل
انت الظاهر يا مدام بقى لك كثير ما زورتيش الصعيد
ربما , فتجربتي مع الصعيد لا تتعدى الرحلة النيلية والأثار الفرعونية الكرنك ورمسيس وحتشبسوت ووادي الملوك والملكات ومعبد فيلة , والشوارع الترابية التي مررت بها على حنطور لزيارة المعابد في قرى ادفو وكوم امبو
طيب ونحتاج ايضا الى شبكة واسعة من الامدادات والتموين , خدمات , صناعات , أي شركة صناعية لا تستطيع أن تستثمر بشكل منفرد هناك
يا مدام انت ما سمعتيش عن منطقة الكوثر , المنطقة الصناعية الضخمة في أسيوط ؟ لازم تيجي وتشوفي بنفسك
فريقي العمل تابع الحديث بلهفة اذ أن باب مكتبي كان مفتوحا وأحد الموظفين , شديد المرح , صعيدي الأصل بعث لي على المسينجير , أكيد يقصد صناعة المش والقصب , حاولت أن أتمالك نفسي بصعوبة كي لا أضحك
ولكنني كنت متفائلة اذ أرى أخيرا أن الموضوع مطروح أصلا , وأن هنالك حتى البعض القليل من الاهتمام بتلك المناطق المنسية ودهشت اذ لم أسمع من قبل عن منطقة الكوثر
ما نوعية الصناعات التي تقوم بها هذة المنطقة؟ ولماذا لا تقومون ببناء شبكة معلومات على الانترنت لتعريف المستثمرين عنها , تسائلت
البصل والثوم الجاف والبويات , أجابني ومن ثم انتقل للحديث عن الأقصر وأسوان والنايل كروز اذ انتهت الاستمارة
لا تعليق ولكن فليكن , بصل أو ثوم أو بويات ,أي شيء على الأقل بداية
قبل أسابيع رافقت بعض عملائي الفرنسيين في زيارة عمل في احدى ضواحي القاهرة , وفي الطريق مررنا من المريوطية , كان يوم صيفي حار جدا والترعة امتلئت بالخيول التي ربما نزلتها لتبترد من قيظ الصيف , انظر انظر الخيل قالت الفرنسية لزميلها باثارة شديدة ولكننا سرعان ما استوعبنا أن بعض هذة الخيول ميتة وقد تحولت الى جثث هامدة ملقاة على جانبي الترعة
المنظر كان رهيب ومؤثر ومفزع ولم استطع ان أمحوة من ذاكرتي لمدة طويلة , رأيت فية اشارة , هل هذا البلد على حافة الوباء؟
العشوائية في البناء والنظام وقبح المدينة والتلوث كل هذا أخذ في الازدياد , وعلى قدر ما أحب هذا البلد على قدر ما أشفق علية , هذا البلد سخي العطاء والذي يحتوي على كل ما نحتاجة للسعادة , لكننا عاجزين حتى عن أن نأخذ
هذا البلد الرائع بالنيل الذي ينساب عميقا في جسدة والبحار التي تلتحم برفق بشواطئة والرمال الناعمة التي تفرش أرضة بدفء عذب
من أجمل الرحلات التي قمت بها كانت رحلة الواحات في صحراء مصر الغربية وتستطيعون رؤية بعض الصور منها في
مدونتي المصورة , طبيعة وحشية بسكونها , لم ألمس أبدا هدوء نفسي كاللذي اجتاحني في صفو صحرائها
في ذاك الأفق الذهبي الأسر , في ذاك الفضاء اللامنتهي وجدت روحي تنطلق مني وتحلق وتجرفني معها في رحلة ليلية مدهشة لا ينيرها سوى القمر والنجوم والبياض الثلجي الناصع للصخور الجيرية المزوعة في الرمال كالأشجار والمختالة بانثنائاتها المبهرة كمخلوقات حسية أشعر بها تناجيني وأجدني أحدثها فترافقني في رحلتي هي والثعالب الصحراوية الصغيرة الوادعة , حالة جنونية لم يعيدني منها سوى نداء المرشد السياحي الذي جائني عن بعد ويبدو أنة كان قلقا من أن أتوة في العتمة وأضل الطريق
انما ما وراء حدود الصحراء تغرق الواحات في عزلة لا يؤانسها سوى شارع ثعباني طويل يصلها بأنحاء مصر الأخرى كأنها كوكب أخر يقف على حافة النمو أو ما وراء النمو , كنوز فرعونية مكدسة بعشوائية مهملة في متاحف بائسة ونظرات بائسة على الوجوة الطيبة لأهلها المنسيين , الذين لم يتلوثوا بعد بحضارة القشور الفاسدة التي اكتسحت المدينة , والذين لا يملكون أي شيء سوى انتظار المزيد من الأفواج السياحية
تأثرت كثيرا عندما وجدت هناك متحف صغير متواضع لم يسجل على الخارطة العالمية للمتاحف , قام باقامتة فنان ابن الواحات , ثري بعطائة الفني , لكنة لم يجد سوى بعض غرف صغيرة يعرض فيها ما أنتج وتراكم الباقي تحت الشمس ما وراء سياج حديدي في حديقة صغيرة مجاورة للمتحف
الصورة المرفقة بهذة المدونة هي لأحد جدرانة , وبعدما أبهجتكم معي بالألوان الأسبانية أترككم الأن مع الألوان الشرق أوسطية

Tuesday, September 04, 2007

من رحلتي الأخيرة

Sunday, August 12, 2007

كل ما فيك

كالشمس أنت جلي
صافيا وناصعا
شفافي الروح
جازما وقاطعا , قولك حتمي
وليس ما فيك ضبابي
تثير في هدني شجنا يحيرني
أشت فتغمرني
ويعود ليسكنني صفوك السجي
,
حبك ليس بعادي
ساكنا وعاصفا
ساخنا وقارسا
أمطارك دافئة وصيفك ندي
وكل ما فيك شهي
الوصل منك جارف يأتي الي
يؤججني يسحرني
يرعشني ويبهرني
ويدوي في قلبي دوي
,
يتوهج في عينيك غي
واهرب منك بعيني
تحاصرني تلاحقني
تشبكني وتأسرني
ونظرة منك تضرم الرغبة فيي
,
رعشة بشفتيك
فرعشة بشفتي
تهمس في أذني غزلا يدغدغني
أرتبك و أنتفض
أرتجف وأضطرب
وترتعد الارض تحت قدمي
أفقد الوقوف وتنكسر
أمامك لواجمي وتنحسر
أمد اليك ذراعي
فتنتزعني بشغف جمري
,
يذيبني من لهيبك كي
وتذوب بي في ذراعي
ونشتعل نيران عشق
ونلتحم بشوق
ونحترق بتوق بركاني
,
وانت كالقمر بهي
نوبة تغيب
ونوبة تعود الي
تنير عتمتي
وتصغي لصمتي
وتسافر ليليا فيي

Thursday, August 02, 2007

كرمليات

في الفترة الأخيرة أجدني عاجزة عن التركيز تماما , أمر في حالة من الملل في عملي ومن القلق وعدم الاستقرار سببة المشاكل التي أواجهها في أقامتي , ومن التشتت والتخبط وأزمة الانتماء وكل ما خربشتة لكم في مدونتي السابقة
في جميع محاولاتي الاخيرة للتدوين وجدتني أنساق للكتابة عن أشيائي الشخصية , فلجأت ثانية الى ركني الخفي واليوم أعود اليكم لأنني اشتقت الى التواصل معكم
ليس لدي الكثير ما أدون عنة الأن , لا فوبيا الوهابية التي تستحوذ علي ولا الفقر والقبح الزاحف الى هذا البلد ولا اليأس الذي يعاني منة أصدقائي بسبب الركود السياسي , لا أدري ما الذي يشدني الى هنا , الحاجة للتواصل الافتراضي قد تأتي من هوة من فراغ حفرتها فينا ظروف حياتنا وربما لأن مساحات التعبير هنا أوسع بكثير مما يوفرة لنا واقعنا , وربما لاحساس الأمان الذي يعطينا اياة هذا المكان لسكب احاسيس نخشى سكبها حتى أمام أصدقائنا , أو قد نخشى عليهم من أن نخدش أمام أعينهم كل ما دجنوا علية من يقينيات
لدي فقط بعض سطور ربما من وحي الزيارة التي قام بها محمود درويش للبهية البحرية العالية الجبلية , افروديت الكرمل , حيفا , التي تاة عنها عشرات الأعوام وعاد اليها للقاء عشقي وفراق مأساوي أخر
اتحدث اليكم هنا عن احساس الأمان في ركن افتراضي وأنا أجلس في شقتي القاهرية الواسعة , وفلسطينيا أدرك كم سيبدو هذا تافها مقارنة بانعدام الأمان الذي يعاني منة لأسابيع الفلسطينيون على معبر رفح , أتحدث عن اللجوء الى فضاءات أوسع وهؤلاء منسيون في فضاء وعاجزون عن اللجوء حتى الى بيوتهم الضيقة , بيوتهم الموجودة هناك ما وراء المعبر ,ولا يطلبون شيئ سوى الوصول اليها ولا يبحثون عن شيئ سوى الأمان داخل جدرانها والاستلقاء على سرير او حتى فرشة أرضية , اذ أكثرهم لا يمتلك أسرة , ليرتاحوا من عياء الاستلقاء على حقائبهم
هم لا يريدون شيء سوى الاحتماء تحت سقف ضعضعة الفقر وقصف المدافع وقضاء ليلهم الطويل على نور شمعة

التشتت هو عرض فلسطيني , قد يكون حاد وجارح ومؤلم وفتاك وأنا في حياتي المرفهة لا يحق لي أن أقارن نفسي بهم لكن ما أعانية من تشتت هو من عوارضي الفلسطينية المزمنة
عندما أتحدث أنا وأصدقائي عن همومنا ومشاكلنا دائما أقول لهم الفرق بيني وبينكم أنكم ثابتين على الأرض بينما أنا محلقة ولا أرض ترتاح عليها قدماي
قال لي صديق لماذا ترهقين نفسك بمأزق الانتماء , أنت انسانة استثنائية بظروفك , فانتمي الى نفسك
عمر , توقفت عند جملتك كثيرا وأثرت في كثيرا , شكرا لك أيها العزيز القناوي
قد تكون أزمة الهوية تجعلني دائمة التساؤل عن معنى الوطن , ما هو وطني , أين هو بيتي
لكن لن يكون لي أبدا بيت كالكرمل ,الكرمل يجسد لي كل معاني الوطن فأنا امرأة كرملية , مفرداتي , ملامحي , ألواني
, أحاسيسي , حواسي , روحي هي نسيج كرملي
أذكر مرة وأنا طفلة لم أتجاوز العاشرة زعلت من أمي , لأمر طفولي تافة , وهربت الى الوديان التي تحيط ببيتنا , هنالك صخرة صغيرة أحبها , كانت تحاذيها شجيرة سريس كبيرة مشكلة سور أخضر , كنا في صغرنا نلعب لعبة اسمها البيت , يتخذ كل منا ركن يحاول بواسطة بعض الحجارة وفروع الأشجار أن يجعل منة بيتا ونحاول أن نقلد فية أمهاتنا في أعمالهن البيتية , وتلك الصخرة كانت بيتي , لجأت اليها وجلست عليها أبكي الى أن سمعت شيئا يتحرك بجانبي , نظرت الى داخل الشجيرة ورأيت ثعبانا أصفرا ملتفا حول نفسة , فركضت لأنادي أصدقائي , ثعبان وجدت ثعبان , أسرع الي أصدقائي وقد شعر الثعبان بنا فجرى بسرعة كبيرة وجرينا وراءة بكثير من الاثارة وقد نسيت زعلي من أمي التي كانت ستنهار لو عرفت بأنني كنت ألاحق ثعبان
لا حدود للأمان الذي كان يزرعة بنا ذاك المكان , لا حدود للجنون وللتمرد, نفرد أجنحتنا ونحلق في أحلام تلامس الشمس وزرقة السماء وألوان قوس القزح
فجرا نحمل زوادتنا من ساندويشات اللبنة وزيت الزيتون والزعتر ونبدأ رحلتنا في فضاء لا نهاية لة , نلاحق الشمس في رحلتها نحاول أن نلامس قرصها البرتقالي الغائر في زرقة البحر ولا نصلها أبدا
في جبال الكرمل الملائكية السكون الشبقية العواصف تعلمنا أن الافاق لا حدود لها , وأن الحياة انزلاق وصعود وشروق ومغيب وصحو ومطر ودفء وبرد وورود وأشواك ومجهول لا قرار لة
ندخل في غابات شائكة لا نرى فيها الشمس ونحن مساقون برغبة الى ما نجهلة , ولذة لا تقاومها حتى فروع الشجيرات الشوكية التي كانت تعبث بأجسادنا الغضة الطرية
في رحابة الواسعة اتسعت أرواحنا ومن جمالة اتسمت جمالا ,
في ثنايا جسدة امتلئنا شهوة للحياة , تثيرنا انحنائات فينوس في تلالة وعنفوان أخيليس في قممة
في أرضة التي منحتنا بسخاء من أشجارها وثمارها عرفنا معنى العطاء , نفترش عشبة الأخضر بساطا ربيعيا دافئا فينزرع فينا حنانا , وترهف حواسنا من ألوانة الوحشية , الحمراء القانية شقائق النعمان والقلوب الصفراء النرجسية

والكرمل هو الحرية على سفح الوادي هنالك صخرة شاهقة كنا نتسلقها ونقف نجابة الجبال اللتي تفصلها عنا هوة سحيقة , نصرخ بكل ما نشاء قولة , فيأتينا صدى أصوتنا مفجرا ضحكاتنا الطفولية

الكرمل أيها الندي البهي السخي الوفي , أنت عني الان قصي , لكنك ما زلت ملجأي , وما زلت تلك الطفلة التي كنت أهرب اليك فترد لي الفرح وتفرش لي طريق العودة

Thursday, July 12, 2007

خرابيش امرأة مشتتة

في فترة ما من حياتي لم أكن أتصور أنني قادرة على أن أرحل عن هذة البلاد , ها قد مرت عشر سنوات وأنا مشتتة ما بين مصر وفلسطين واليوم أجد نفسي مغتربة عن الاثنتين , يربطني حنين , تربطني ذكريات , عائلتي والأصدقاء هنا وهناك , انما ليست أحاسيسي سوى حنين مجرد حنين هو ما تبقى بداخلي
في أجازتي الاخيرة في حفل زواج أخي كما حدثتكم سابقا , قابلت جميع أبناء أعمامي وأخوالي , الذين قلما ألتقيهم , خلال فترة اقامتي هناك كنا نسهر حتى ساعات الصباح في حديقة جدي التي تعلو فيها أشجار السرو والصنوبر وتحيطها أشجار الرمان , قديما كانت تظللها شجرة توت كبيرة على فروعها قضيت أيام طفولتي مع أصدقائي من أبناء الجيران نختبئ من أمهاتنا ونحن نتلذذ بثمارها الحمراء السوداء الشهية , قبل عدة سنوات عندما إمتدت جذورها وأصبحت تهدد أساسات البيت قطعها أبي
بعض الأشياء يجب أن تقطع من جذورها مهما كان الأمر قاسيا
وفي لماتنا هذة في الليالي التي سبقت العرس كنا نغرق في ذكرياتنا مع كأس من عرق رام اللة نشربة مع التبولة والمكسرات الفلسطينية من اللوز والبندق والفستق الحلبي وينضم الينا الجيران والأصدقاء , تحلو اللمة وننطرب , ابن عمتي عازف عود , كان يحضر عودة معة وننطلق في أغنيات فلسطينية قديمة وننتقل الى الفيروزيات وصباح فخري وننهي السهرة بأم كلثوم وعبد الوهاب وتعلو اصواتنا نشازا
اشتقنا الى بعض كثيرا , زمان كان أهالينا يلتقون كل أسبوع , حياتنا انحصرت داخل القرية , , كبرنا وافترقنا , منا من تزوج وانتقل للعيش أو للعمل في مدن أو قرى أخرى ومنا من اغترب , انشغلنا في حياتنا اليومية وبعدنا
وتأتي الأفراح والمناسيات لتعيد لمتنا ,وتعيد لنا ما تبقى من تراث جميل , من عادة الفلسطينيين اقامة ما نسمية زيانة أو زفة للعريس , وزيانة أخي كانت الأولى التي أحضرها منذ سنوات عديدة لابتعادي عن البلد , والزيانة هي حفلة يقوم بها اصدقاء العريس بالحلاقة لة وهم محاطين بجوقتين , كبار السن اللذين يتلون ألأغاني المخصصة لهذا الطقس , والشباب الذين يعيدون من ورائهم والنساء والفتيات يرقصن بالبقجة والبقجة هي الحنة الملفوفة بقطعة قماش من الحرير ومزروعة بالورود ,أغاني الزفة قديمة جدا لا ادري مصدرها , ولنفترض أن اسم العريس يوسف فالزفة تبتدأ
باللة يا مزين , باللة عليك , لا تجرحلي يوسف بدعي عليك
والمزين هو الشخص الذي يقوم بالحلاقة , وفي هذة الأغاني تعدد صفات العريس كما رسمتها الحضارة الشرقية ,فهو الشاب المدلل
ابن الدلال والراحة , عمرة ما اشتغل شغلة الا في دار الرياحة
وهو الفارس الذي لا يقهر
ياللي نشلت الخيالة من بين عسكر وزير
قلت لة يوسف يا ابن الكرام , عيريني سيفك ليوم الزحام
قال سيفي حليفي ما باعيرة , جاي مسقط من بلاد اليمن
والعريس زير نساء
يوسف على باب الدار في البرج والطقية
قومي افتحي يا أمة , جايب معاة سرية

السرية هي العشيقة

بعد الزفة يقوم الرجال من كبار السن بدبكة خاصة بهم يغنون فيها أيضا أغاني فلسطينية قديمة جدا تتحدث غالبا عن الفروسية
حيد عن الجيش يا غبيش قبل الحناطير ما يطلوا
وحيد عن الجيش ولويش واللي يقحم غبيش لأذلة

وبعدها ينطلق الشباب والصبايا في دبكاتهم
لكن بعض من هذة الطقوس بات يتلاشى فالجيل الجديد لا يذكر معظم هذة الأغاني , وكبار السن باتوا عاجزين عن الغناء والدبكة
انما ما وراء عالم القرية الصغير الدافئ المحدود الأفق , تنتظرنا شباك الغربة , تحيطنا في كل مكان , في الشارع والأماكن العامة في الجامعات والعمل , معركة يومية مع التناقض في هويتنا كفلسطينيين نعيش داخل المجتمع الاسرائيلي ووجدت الكثيرين من أقربائي يعيشون في نفس التية اللذي أعيشة أنا , حيث ضاعت الهوية وضاع الانتماء ولم يعد لديهم سوى بطاقة تثير فيك صقوعة واغترابا , بطاقة كتب عليها مواطن اسرائيلي
قالت لي ابنة خالتي , ليتني رحلت من زمان , ماذا تبقى لي هنا , ماذا تبقى لنا هنا , هل تفكرين بالعودة؟ , الى ماذا تعودين؟
لا أفكر بالعودة
قالت لي أمي , ألن تغادري مصر , متى ستعودين؟
قلت يا أمي , أنا مدركة بأن ما سأقولة لك صعب جدا ولكن تلك هي الحقيقة التي عليك أن تستوعبيها , لو رحلت عن مصر سأرحل الى ما هو أبعد , قلت يا أمي أنا لن أعود للعيش هنا
في حديث مع العربية يطلعنا السيد الزهار أحد قيادي حركة حماس ببساطة لا تطاق عن تعاون حماس مع فتح الاسلام ,بذور القاعدة في فلسطين
لاحظوا
المشكلة لم تكن مع فتح الاسلام , ليس لنا مع أي فصيل مقاوم أي مشكلة
بما معناة بأن حماس تعطي شرعية للقاعدة بالعمل على أرض فلسطين بحجة ما تسمية بالمقاومة

لا أعطي نفسي الحق في محاسبة هذا الشعب المطحون المقهور ,الجائع للقمة الخبز انما لا أقبل خضوعة لأهواء أيران والأن القاعدة , تسيرة الأولى وتتغلغل فية الثانية , عراقسطين , أفغانسطين , سموها كما تشاؤوا
أنا ماذا بامكاني أن أفعل لا شيئ
وداعا فلسطين
أعجبني مقال للكاتب المصري مأمون فندي بعنوان عنزة تمازي جابت ولد وهو ينتقد فية ما يسمية بالتكاذب الذي رأة في كل المقالات التي صدرت في الصحف العربية في ذكرى 67 فيحدثنا ان قريتة في جنوب الصعيد لم تتأثر بشكل أو بأخر باحداث تلك الحرب , ولكن حدث مثل عنزة تمازي كان مؤثر أكبر على عقول الناس ونفسياتها , وتمازي هي امرأة فقيرة لا تملك سوى عنزة وابن يعاني من خبل , وكان أهل القرية يتباركون بة , وفي يوم أنجبت العنزة جدي لة رجلين ووجة ادعى البعض أن لة ملامح بني أدم مما جعل الناس يتهمون بهذا ابن تمازي المخبول , بالنسبة لتمازي كان ذلك يوم مصيري اذ أن ابنها أصبح متهما ولم يعد أحد يتبارك بة وبالنسبة لأهل القرية كانت عنزة تمازي حدثا فارقا أكثر من حرب
67
ما يريد قولة ان الناس البسيطة لا تملك ترف الاهتمام بالقضايا الكبرى لكن العرب لم يعرفوا أبدا التركيز على قضاياهم الصغيرة

ما من يوم يمر إلا وهناك مأساة في العالم ولكننا نختار أحداثا بعينها ونجعلها علامات تاريخية فارقة
نحن قوم مكسورون من الداخل بألف نكسة ونكسة، لكننا ممنوعون من الكلام، تغطي على حكاياتنا الصغيرة حكايات كبرى. نحن اللذين ندعى إلى الحرب ولا ندعى إلى المسامرة

لماذا ذكرت لكم ذلك لا أدري ولكنني تعبت من الاهتمام بكل القضايا الكبيرة التي تحيطنا هنا , أرهقت من التفاصيل ومن الشرق الأوسط برمتة
أكرر نفسي بملل , عذرا , حزينة ؟ كلا أنا في مرحلة ما بعد التخبط , ما بعد اجتثاث نفسي من جذورها , أخاف فقط على أهلي
قرار مجيئي الى مصر كان صعب جدا انما لم أحسب أنني سأبقى فيها كل هذا الوقت , في البداية اعتبرتها تجربة قد تدوم بضعة اشهر وها قد مرت عشر سنين
المواجهة الاولى مع المجتمع المصري حدثتكم عنها في مدونة
وسط البلد , أسباب كثيرة أدت الى بقائي هنا , علاقات عشقية ارتبطت بها , الأصدقاء وعملي , ولكن برغم حنيني واشتياقي الذي تراكم لبلادي , كان هنالك شيء واحد يبعدني عنها ويجعلني أدرك انني لن أستطيع العودة اليها وهو وضعي فيها كمواطنة درجة ثانية , كأقلية ينظر اليها باستعلاء ,أنا لا أريد أن أعود الى هذا الاحساس وأجدني عاجزة عن الاندماج ثانية في ذلك المجتمع
وما كان هنالك من أحاسيس فلسطينية تربطني بتلك الأرض تبخرت من مسامات جسدي وتطايرت الى أبعد سما ولا أدري لو سيكون باستطاعتي ابدا استعادتها
انا لن أعود وهل أعود من غربة الى اغتراب؟
للقاهرة سحرها الخاص , تبقى هي القاهرة التي قهرتني وهزمتني في جميع محاولاتي للابتعاد عنها
وكانت وما زالت تثير بي الكثير من الشجن , أحب صخبها الليلي وشوارعها التي لا تنام وعشاقها المتسامرين على ضفاف نيلها ومطاعم وسط البلد القديمة وروادها الليليين, أستورييل وتشيزا والجريون واليوناني وقهوة الحرية
لم أحدثكم عن قهوة الحرية قبل الأن ,وهي ظاهرة فريدة تستحق الوقوف عندها فربما هي القهوة الشعبية الوحيدة في مصر التي تقدم البيرة وباسعار معقولة ومن كثرة الرواد والازدحام , يتعمد صاحب القهوة بابقاء كل زجاجات البيرة الفارغة بجانب الطاولات كي لا يفقد السيطرة على العدد فتدخل الى القهوة لتجدها مفروشة بزجاجات ستيلا الخضراء الفارغة , قهوة الحرية تحتضن بين جدرانها تناقضات مصر كلها وربما تناقضات العالم بأجمعة , تجدون فيها الصحفيين والكتاب والتكتلات السياسية المختلفة, حتى الاخوانيين , لاعبي الشيش بيش والشطرنج , بعض من الصعيديين اللذين لا تنسجم جلاليبهم مع زجاجات البيرة التي يرتشفونها من فتحاتها , الأجانب من السياح والمستشرقين, طلاب الجامعة الأمريكية , وخليط عجيب من العمال والمثقفين والبوهيميين
من روادها عجوز ستينية على ما يبدو كان لها ماض مشرق لكن ربما بضغط ظروف معينة اختل عقلها , تدخل القهوة تتطفل على الجميع للحصول على زجاجة بيرة , ولها الكثير من الأصدقاء اللذين يتعاطفون معها , لكنها دائما تتصادم مع سعد , نادل عجوز يجوب بين الطاولات وهو ينادي سعد سعد يحيا سعد , من وحي سعد زغلول , وقد حاول طردها مرة فشتمتة هو وصاحب القهوة بكلمات جنسية بذيئة , بما معناة أن فيها من الرجولة ما يفوقهما الاثنين معا ولا أدري لماذا اختارتني من بين جميع الموجودين لتتقدم الي , وكنت برفقة صديقي الفارس الأخير , وتعتذر عما بدر منها بلهجة فرنسية جميلة
باردون مدام , أصل أنا قبيحة , وكلمة قبيحة هنا تعني بذيئة الكلام
هذة الأماكن التي أسهر فيها مع أصدقائي أصبحت لنا بيتا نلجأ الية في أجازاتنا الأسبوعية ولو تأخرنا أسبوع نجد عمال المطعم في انتظارنا بقلق , يسارعون الينا بالنبيذ أو البيرة و المشهيات وقد أصبحوا مدركين لأهوائنا وأذواقنا

ونذكر هنا أشرف نادل الجريون اللذي دائما يولينا عناية خاصة وكلما امتلئ المطعم يأتي الينا ليطمئننا معلنا بتكرار لا تقلقوا كل شيئ تحت السيطرة ويعود للتراكض بين الطاولات المزدحمة

القاهريين يعيشون ليلهم أكثر من نهارهم , في منتصف الليل ترتعش القاهرة بشبق للحياة وتزداد فتنة, ومع قليل من النبيذ نجد أنفسنا أنا وأصدقائي قد افتتنا وتفجرنا حنينا وشجنا وطربا
لم أستطع أن أخفي عنكم أحساسي القوي بالقاهرة صح ؟ لكن بعد عشرة سنين ما زال هذا البلد أصما عن أحاسيسي , فما أنا بالنسبة لة الا جواز سفر , ويطعنني سنويا بالتأكيد على ذلك عند تجديد اقامتي
لا استطيع الحلم في هذا البلد , طموحي يحددة جواز سفري , أنا هنا غريبة وسأبقى غريبة معرضة للترحيل في أية لحظة
ونعود لليل القاهرة فما وراء هذة اللوحة الجميلة التي رسمتها لكم ,في يومها تبدو أحيانا الحياة وقد توقفت هنا , المجتمع يزداد انكسارا واندحارا وتقهقرا وتيها , ويزداد فصاما واستقطابا ما بين الأثرياء والفقراء المعدمين وتطرفا ما بين المسيحيين والمسلمين وفي يأسها تبدو مصر وقد فتحت ذراعيها لمزيد من المد الوهابي والسلفي والاخواني وتزداد جهلا وتنقبا , ولم تعد تهمني التفاصيل الكبيرة , الجهل والظلامية اللتي تعيثها فينا الوهابية كناس كبشر كحضارة , تهمني الأن تفاصيلي الصغيرة كامرأة وكأنثى أرى أن محيطي أصبح خانقا لأنوثتي , وأصغر التفاصيل مثل كل ما أهملتة في خزانتي من ملابس أحبها وأحب احساسي بأنوثتي عندما أرتديها لكن لا أستطيع أن أخرج بها خوفا واشمئزازا من نظرات جائعة او غاضبة
وانا لم أعد أجد نفسي هنا ويوما عن يوم أزداد اغترابا وغربة وتحليقا عن هذا المكان
وأجدني في وسط كل ما يملئ حياتي , في عملي ومع الأصدقاء , في الأماكن التي أحبها , في ازدحام الشوراع وصخب الناس , أغرق في عزلة لا يخترقها سوى ضجيج الصمت

Tuesday, July 03, 2007

محاولة ثانية-احتفالا بالسنوية التدوينية

في الخامس من يوليو 2006 نشرت مدونتي الأولى الى رجل محاولة أولى , هذا الأسبوع مرت سنة واليوم أعيد المحاولة ثانية


مرتحلة تبتهل تلاواتها بصمت
صداك أتاها خافقا كرعد

في أرضها انهمرت أمطارك
قطرات زكية وحلوة كشهد

و ينابيع عذبة الخواطر
تدفقت من أغوار روحك بفيض

وكانت في عتمة وكنت شعاع برق
وهج منك أضائها بوعد

ووحشة انت كسرت قيودها
فطوقت من شباك سحرك بقيد

أنت من أنت , من أين أتيت
يا قريبا يا بعيدا , يا دفئا وبرد

يا عبقا شرقيا يا رجولة شهية
تمسك حنينا فتمسها بوجد

يا عطرا يثير ما فيها من عطر
يا نبيذا معتقا وبهيا كورد

يا مرتشفا تلاوات روحها
يا نجما يلهم ليلها عن بعد

جئتها نغما على أوتار صمتها
تشجيها لحنا فيحيرها سهد

منك الومى يستفيضها وحيا
تبوح لها بافتتان فتبوح لك بود

تمد لها يدك وتأتيك خاشعة
تمد لك يدها فتنسحب اليد

تطل عليها قمرا ويرحل القمر
يا حاضرا وغائبا يا سكونا ونبض

وكانت في صحراء وكنت واحتها
هل سراب أنت أم جزر ومد

Thursday, June 28, 2007

مدونة مبعثرة جدا

أعود اليكم من أجازة رائعة , خلال فترة غيابي وصلتني بعض الرسائل من القراء تسأل عني , أشكركم جميعا
بعض القراء عبروا مشكورين عن تعاطفهم معي لاحساسهم على حد قولهم بأن مدونتي حزينة وطلبوا مني المصالحة مع نفسي وأرى في ذلك سوء فهم تام لما أحاول أن أعبرعنة , أنا في حالة نفور شديد من الواقع الذي يحيطني ولهذا جائت كتاباتي مليئة بالمرارة في هذا أتفق معكم لكن ما أحب أن أوضحة هو أنني متصالحة جدا مع نفسي , قد تلمسون بعض الحزن حتى في أشعاري وتدويناتي الشخصية لكنني لا أسمي هذا حزنا بل أرى فية فيض حسي لا يربكني بل أشعر بأنني بوركت بة , أنا أعبر فقط عن أحاسيس ومشاعر عايشتها ولا أتردد في البوح عن ما قد يرى فية بعضكم بضعف أنثوي لانني متواصلة جدا مع نفسي ومع أعماق روحي بما فيها من مكامن ضعف و قوة ولا يخجلني ضعفي لأنني في الحقيقة امرأة قوية استطاعت أن تبني لها حياة مستقلة وتفرض نفسها في مجتمع يحاول أن يهمشها وتصل الى دور اداري في شركة عالمية ضخمة , وتضم تحت قيادتها ما يفوق ال 150 عامل غالبيتهم من الذكور في مجتمع ذكوري

قبل ثلاثة أسابيع , ربما أيام قبل الأحداث الأخيرة في غزة ابتدأت بكتابة مدونة هي تكميل لمدونة رعب , أنقل لكم بعضا من سطورها
"
ففي الأسبوع الماضي نشر خبر عن تهديدات بعثت للمذيعات الفلسطينييات من احدى المنظمات المتطرفة التي تظهر كل يوم على الشاشة ومن كثرتها لم نعد نذكر لها أسماء , وفي هذا التهديد الأخير تطالب هذة المنظمة المذيعات بتوثيق الحجاب والا فستقطع الرقاب ويسيل الدم من الوريد الى الوريد
هذة المنظمة ليست وهمية أو افتراضية ولها سابقة في تفجير انترنت كافية في غزة ويبدو أنها نفس المنظمة التي تحتجز الصحفي المختطف في غزة
قلت لكم أنني مرعوبة ووعدت نفسي أن لا أكتب عما يرعبني بعد الأن , لكن لم يعد بامكاننا أن نغرق في اللامبالاة , كلام مجرد كلام , جميعنا نيام ولن نصحو حتى تأتينا الصفعة وقد أصبحت قريبة جدا ,كل شيء أصبح متوقع فنحن على حافة كارثة معروفة السيناريو , سيناريو يخط نفسة عل صفحاتنا بأحرف عريضة لكننا نرفض أن نقرأة عميا أو كسلا أو جبنا , الرعب أت
"

بعد أيام من تلك السطور , أتانا الرعب من غزة لكنني لن أدون عن ذلك ولن أكمل تلك المدونة وانهي هذة الصفحة
بالمقال التالي
هل يتحول القتال الأن ما بين فتح وحماس الى حماس وجيش الاسلام؟؟؟
لاحظوا المصطلحات المستعملة , قطع الرقاب , سيلان الدم من الوريد الى الوريد وذبح النعاج
رعب وبهذا أكتفي
قد يرى بعضكم في ذلك سطحية في التعامل عما يحدث في غزة , قلت لكم في مدونة
غرف خاوية بأن غزة هي ليست كل فلسطين لكن يبدو أن هذا ما أصبحت علية فلسطين, الصفعة الأولى لي كانت عندما اختار شعبي حماس ممثلا لة ولن أخوض في التفاصيل والتحاليل والأعذار ولن اسلم نفسي لصفعات أخرى لأنني سأدير وجهي عما يحصل فأنا بهذا أكتفي

حدثتكم في تلك المدونة عن الخواء الذي أشعر بة بعد انهيار الحلم الفلسطيني وأذكر الأن وأنا أبتسم أول رحلة لي الى الخارج كانت الى ايطاليا , كنت برفقة صديقتي وكنا ربما في التاسعة عشرة من عمرنا , كان زمان ولن أعترف لكم قبل كم سنة كان ذلك , وكان هذا أول لقاء لي بالعالم الأخر بما وراء شرق المتوسط , كنت مثارة جدا من التلقائية الرائعة التي يتمتع بها الايطاليين و بأصواتهم العالية وحركات أيديهم التي تنطلق في جميع الاتجاهات عند الحديث , أول ما وصلنا روما كنا نتنقل بحقائبنا تائهات وسألنا سائق الأوتوبيس عن العنوان الذي كنا نقصدة فما كان منة الا أن أوقف الأوتوبيس في مفترق طرق رئيسي وسط زمامير السيارات ونزل معنا الى الشارع ليشير الينا الى أين نتجة , في نابولي اصطدمنا بمظاهرة يحيطها العشرات من رجال الشرطة , اخترنا أحدهم لنسألة من أين نبحر الى جزيرة كابري فترك المظاهرة وركز اهتمامة فينا لينضم الية الكثير من زملاءة الذين أرادوا التعرف علينا ولتذهب المظاهرة الى الجحيم , لسنا خارقات الجمال انما هذة هي طبيعة الايطاليين , وقد كانت فرحة رجال الشرطة كبيرة عندما عرفوا بأننا فلسطينيات فيسوع المسيح كان فلسطيني على حد قولهم , المهم أذكر الأن بأن أحدهم سألنا كيف نستطيع التعايش مع قضايانا ومع الخوف والتوتر الدائم في المنطقة وكانت اجابتي لة بأن قضيتي تملأني بشعور الانتماء والانتماء يملأني بالاكتفاء وبلا بلا بلا بلا
يا الهي كم كنا ساذجين

قبل اسبوعين سافرت الى أهلي لأحضر حفل زواج أخي الأصغر غسان أخر العنقود , الفتى الوسيم الأشقر , وكانت تلك فرصة للالتقاء بجميع أبناء أعمامي وأخوالي اللذين أفتقدهم دائما , قضينا وقتا رائعا وربما سأحاول افراد مدونة خاصة عن الأفراح الفلسطينية الغنية بالتراث الجميل , انما وجدت الكثيرين من أقاربي يتحدثون عن نفس الاحساس بالخواء الذي أتى بعد ضياع الانتماء , الى من ننتمي؟
الى الدولة الاسرائيلية ؟ لا ولا , الى حكومة حماس لا وألف لا , انا كامرأة حرة لن أعيش في قيود النظام الديني واختيار شعبي لحماس هو جرح لي كمسيحية , لا تعنيني مسيحيتي فأنا لست متدينة ولكن شعارات الاسلام هو الحل التي أطلقت في غزة اغتالت في داخلي أي شعور بالانتماء
رغم انشغالي في التحضيرات للفرح فالناس في القرية يحتفلون بالأفراح لمدة أسبوع ويبدأون بالتحضير لها قبل أسابيع الا أنني وجدت القليل من الوقت لزيارة أحد أحياء حيفا القديمة , وادي النسناس الذي أعشقة ففية قضيت أغلب فترة مراهقتي أيام المدرسة , وجدت ملامحة قد تغيرت , لم يتغير المكان , لم تتغير البيوت الحجرية القديمة والسوق والشوارع الضيقة وأصاصيص الزهور على الشبابيك والليمونادة بماء الزهر والحمص والفول وفلافل نجلة ,انما تغير الناس , فوجئت بعدد ملحوظ من المنقبات وبوتيك خاص لملابس المحجبات , , لم أرى ذلك في حيفا حتى الأن , وأقولها بصوت عال هذا المد الجارف من التدين يزعجني ويخيفني ويؤرقني ويسحب من تحت أقدامي هذة الأرض وما كنت أسمية هذا الوطن , ويقتلعني من جذورة , تستطيعون مناقشتي في الحرية الدينية , لا توجد حرية دينية , التدين ليس اختيار على قدر ما هو خضوع وأي كان فليكن , هنيئا لمن اختارة أو خضع لة , بالنسبة لي أنا لا اريد العيش في مجتمع متدين
حدثتكم في مدونة
9 سنين من العزلة عن احساسي بالعزلة في مصر والأن أزور بلادي بحثا عن الدفء لأجد نفسي محاطة بنفس الصقيع , بنساء تحجب وجهها فتثير بي خوفا ولا ادري ماذا أثير أنا بها لأنها تخفي ملامحها عني
ما هو علية حالنا ليس الا نتيجة لغرقنا في التدين وانجرارنا الأعمى وراء المرجعية الدينية , وما زلنا مصممين على الانزلاق الى درجة الانتحار , نزداد تحجبا وتنقبا , ليس فقط كنساء وأجساد انما كعقول وكمجتمع كامل يحجب نفسة عن الحضارة وينسحق الى ما وراء الحضارة الى القاع وما تحت القاع
سلبية؟ كلا واقعية , انما لا أريد هذا الواقع بعد الأن , ربما حان وقت رحيلي , حان الوقت لأملأ ما اجتاحني من خواء ولما الخواء ؟ فهذة الدنيا مليئة بالاشياء المبهجة الجميلة , وهذا العالم رائع الاشراق ما وراء حدود شرق المتوسط

Thursday, June 07, 2007

Women who love too much

حدثتكم في مدوناتي القديمة عن أنني كنت أدون لنفسي في ركن خاص ما لا أجروء على البوح بة هنا , وأنقل لكم في هذة السطور بعض ما كنت قد نشرتة في تلك المدونة اللتي لم أعد أدون فيها منذ أن منحتوني الأمان لأسكب روحي في ركننا المشترك هذا وربما كانت هذة محاولتي الشعرية الأولى


Do i hold you or do i let you go

Do you want me to stay, or do you want me to go

When I touched your face i touched happiness and my spirit touched the rainbow

Your soul embraced mine and our dreams we started to draw

I was the muse for your chivelrous love , you were the inspiration and i loved you so

Over your wings i wanted to fly, with my rivers you wanted to flow

So fragile are the blossoms of our love , in deserts of solitude with pain they grow

Did I hug you too tight did i scare you? my love to you i was trying to show

In my arms i wanted you free never enchained, standing tall , never bow

My beloved we are bemused , so fearful from love should we let it go?

Yearning for your manhood , yearning for my femininity , our volcanoes yearning to blow

My beloved stay dont leave , for my heart will break the instant that you go

Is our union an illusion ? will you lift the fog away, will you let me know?

Tuesday, June 05, 2007

Sensual chaos

Depart not can i thee

Wise not will i ever be

bewilderment shall you only see

In such pain life is not free

He walked away from her heart , she walked away from his life …
He still lives at the edge of her heart , she still lives at the edge of his obsession…


My soul is longing for your sacred femininity
For life shall your heart be my only sanctity
Just you and I and shall be there no trinity
Your love shall haunt me for now and eternity

Few months has passed , yesterday he sent her a letter , few words to wish her happiness , few words to draw his presence back into her life…

shall we share all , joy and pain
So much i lose never thee gain
Missing your rivers,my land is drain
Benevolent almighty unite us again

Will she replay back? she will not open the door again to that past to intrude into her present
Every morning she puts her tough mask on and goes to work , She lives and works in a masculine world , its a world of men , some of them want to abuse her , some o them want to play with her the male female ego game , and she needs to be tough…
Why men are afraid of strong women? Why they need to oppress her ego to prove their manhood?
Is she really strong ?every day she has different battles and she is weary… suffocated by her tough mask she needs a secure place to release her weakness out…

At the end of the day she goes back home and sinks into her solitude , she flies high with her dreams…

Flying high in the sky , touching the bright colors of my dreams
smelling the essence of my desires
Losing my ground , losing gravity , losing hold of my reality
Falling into an ocean of domineering vacuity


She tries to put order in her thoughts , but she finds herself drowning into the chaos of her senses...fading faces and memories , virtual dreams and reality , desires and loneliness , longings and yearnings , bewilderment , fears , insecurity...
Her solitary soul needs to erupt and she looks for an escape from all the anxieties that are strangling her spirit
She writes them and hides them in a bottle , a bottle that no one will find , a bottle that keeps floating on the ocean of her chaos

Can you break my padlocks?
Can you storm into my innermost and tear me out from the roots of my mazes?
Can you penetrate my veins and fulfill my emptiness?
Can you spread warmth into my heart and melt the ice of my rivers?
Can you reach my soul to burry my sorrows and vivify my delights?

Can you convulse my entity and explode the volcano of my desires
Can you see through my darkness?

Can you see the woman in me?
shattered and scattered , free and enchained , pure sinner , so white so deep blue ,beautifully distorted and dictatorial unbiased


She drifts in memories , she feels him close , grabbing her , wrapping his arms around her, stealing her breath , his lips almost touching her , she smells him , she smells her femininity flourishing with his touch , she closes her eyes with lust, he surrounds her and she surrenders , he invades her and she surrenders , he penetrates her , her body rages with desires and she needs to explode with rivers of milk honey and tears…..
The voice of the wind wakes her up to find herself alone , the void filling her room , except a shadow on her window , the shadow of the wind…

Sunday, June 03, 2007

منة إليها

أعذريني لو ضللت طريقي ووجدت نفسي أمام باب دارك
غلطة عفوية

ما زلت تسكنين روحي
بروحك الفياضة العميقة بفوران عينيك الغامقة البركانية

أنساك ؟ كيف أجتث حبك من عروقي
وقد كنت حبيبتي وصديقتي وكنت حنان الأم وطفلتي الشقية

مرت شهور ومضت سنة وما زلت أتوق اليك
للشعر, للخال, لعطرك , لمذاق ثغرك النديا
لنعاس عينيك الصباحي لأناملك الصغيرة للمستك السحرية

كنت دوران الأرض وكنت كل الفصول
تضحكين فتشع عيناك شمسا وتبكين فتهطل منك امطار شتوية

والربيع كنت
تتدفقين ينابيعا وجداول وتثمر أرضك براعما وفاكهة شهية

والخريف حزن عينيك
يا من أطفئت حزني فأشعلت أحزانك , كم كنت أنانيا

جئتك من مأساتي لاجئا
فأسكنتني أحلامك ,أنا كيف حولتها غمامة أحلامك الوردية

من فيض حنانك ارتويت
في أرضك ذوت ألامي , وفي أرضي ألامك نبتت جراحا شوكية

يا طيبة القلب أيتها البهية
لماذا زرعت في جنائنك رجلا زرعك في دروبة الوعرية
واحتويت في أحضانك من في عالمة بعثرك بفوضى عبثية

قلبي بك مسكون فهل أحاذي جدران قلبك؟
هل تغفرين لي , هل تفتحين بابك ثانية ؟ عفوا مجرد أمنية

أمد يدي لأقرع الباب وأستعيدها
تبا لها , تبا لي , لمن ألمك , لمن قطع حبال وصلنا العشقيا

Wednesday, May 30, 2007

زمان

اليكم بعض الصور من طفولتي كما رويت لكم عنها في بعض مدوناتي
جدتي ام سليمان تعد الكبة , وكنت قد حدثتكم عنها في مدونة يا جبل اللي بعيد , بجانبها تظهر عمتي
جدي أبو سليمان اللذي حدثتكم عنة في نفس المدونة , في احدى الصور يظهر معة أخي اللذي يحمل اسمة

أبي وأمي , صور لأبي في العمل , أمي وأزياء زمان , وفي احدى الصور تظهر معهم طفلتهم الاولى , أختي الكبيرة

أبي مع عنبر , وفي صورة أخرى مع كلب اخر ومعة أختي الوسطى , كنت قد حدثتكم عن أن جدي كان صياد وكان دائما يملك كلاب صيد

في الطريق الى الكرم , أمي ومعها عمتي تحمل بندقية جدي

في حضن أمي , كنت ربما في الثانية من عمري

في حضن أبي , بجانبنا أختي الكبيرة وجدتي أم سليمان , تك تك تك يام سليمان

البنات , أنا وأخواتي

أنا والفيل , حدثتكم عن فيلي الأحمر في مدونة غربة

صار عمري خمس سنين

في الأعياد , تظهر أمي مع أختي الكبيرة بمناسبة المناولة الأولى في ساحة الكنيسة , الصورة الاخرى مع أبي وأخواتي , أنا صغرى البنات تحتضنني أختي الكبيرة , هذة الصورة اتخذت غداة حادثة العربية اللتي حدثتكم عنها في مدونة بصراحة ولم تكن أمي حاضرة معنا لأنها كانت ما زالت تعاني من صدمة عصبية اثر الحادث


Friday, May 25, 2007

رعب





نريد أن نحيى حياة عادية
نصحو صباحا , نذهب الى العمل ,نكد ونتعب ونعود الى البيت ونحن نشتهي اغفاءة , نلقي بتعبنا على السرير , نقرأ , نسمع الموسيقى , نخرج مع الأصدقاء الى أماكن نحبها بحثا عن عرض فني أو حدث ثقافي أو عشاء شهي , نحب أن نلهو وأن نضحك وقد نطلق العنان لأفراحنا مع بيرة مثلجة أو كأس نبيذ أحمر , نحب أو نبحث عن الحب ونخلد الى النوم ونحن نبوح للوسادة بجميع أحلامنا منتظرين يوما عاديا أخر
أحلامنا بسيطة , وأبسط منها بمسافات أحلام الفقراء التي تنتهي عند كسرة خبز
لكننا لا نصحو ابدا على يوم عادي , تجري الأحداث بتسارع لا يسبقة سوى انسحاقنا الى الوراء
تأتينا صحف الصباح بأحداث تحاصرنا من جميع الجهات تمتص من داخلنا الفرح , تملؤنا مرارة وتغتال أبسط أحلامنا
بامكاننا أن لا نقرأ الجرائد وأن لا نشاهد الأخبار بامكاننا ان نغض الطرف ونصم أذاننا , لكن طوفان الجهل والعنف بات يتسرب من جميع الأبواب ويتغلغل الى زوايانا الصغيرة , الى خصوصياتنا , الى أخر فسحة من الفضاء نحاول أن نحتفظ بها لأنفسنا
من السعدوية تصلنا معاناة النساء فترطم بجدار من اللامبالاة والصمت الفاضح
اختناق وحرية مقموعة وعتمة فرضت عليهن ما وراء النقاب وحياة مرهونة برحمة الهيئة للامر بالمعروف والنهي عن المنكر أو ما يسمى برجال الحسبة اللذين يخول لهم القانون استعمال العنف ضد أي امرأة قد يزعجهم القليل مما قد يبان من أنوثتها , خصلة شعر أو أصابع قدمها , وقد لا تعجبهم مشيتها أو صورة حجابها أو أي تصرف لا يتماشى مع الانزالات الفقهية الكثيرة والمتشعبة
وكانت احدى النساء السعوديات التي تعرضت للضرب المبرح هي وابنتها بسبب طريقة حجابها واصيبت بالنوبة القلبية من الرعب بالاضافة للاصابات الجسدية البالغة ,قد رفعت دعوة ضد المعتدين عليها من رجال الحسبة فكان حكم القضاة بأن رجل الحسبة لا يحاسب
ونتذكر حادثة فتاة القطيف التي تعرضت لاغتصاب وحشي من قبل سبعة من الهمج وعوقبت بثمانين جلدة بتهمة الخلوة الغير شرعية , لا نعرف ان كانت نالتهم بعد أن شفيت جروحها , أو سلخت وجرحها الجسدي ما زال حيا
ما نعرفة ان جروحها النفسية من الاغتصاب ومن العقوبة سترافقها حتى تلفظ أخر أنفاسها
أخبار يومية تأتينا عن الحياة المعذبة للمرأة السعودية واللتي تؤدي بها الى الهرب من بيتها في سن صغيرة الى حيث لا ندري , الى مصير مجهول , او ببساطة قد تختار الانتحار من اليأس والملل ورتابة العيش
ليست المرأة هي الوحيدة اللتي تعاني في ذاك البلد , فالشباب اللذين حرموا من أي شعور جميل بالألفة مع فتيات جيلهم لم ينجوا هم أيضا من مؤسسات النهي عن المنكر اللتي تمنع عنهم أي فعاليات ثقافية او اجتماعية , حتى السينما , ولا تفتح لهم سوى نواديها حيث لا هم لها سوى ترويضهم على كبح أحاسيسهم وحواسهم وغرائزهم وقتل كل ما بداخلهم من انسانية تتوق لابتسامة أو ضحكة أو شعور بالفرح , فتفرغ أرواحهم من رغبة الحياة لتحقنها برغبة الموت, كيف نستغرب اذا كانت السعودية من اكبر المصدرين للارهابيين في العراق؟
تقارير منظمة الهيومان رايتس واتش عن وضع العمالة في السعودية من الأفظع في العالم وكأننا ما زلنا في عهد الرق ,فالعمال الاجانب وأغلبهم من الاسيويين الذين قطعوا مسافات بعيدا عن عائلاتهم وتحملوا هوان الحياة من أجل توفير لقمة عيش لاطفالهم , ولكي نغرق نحن في كسلنا , يسخرون تحت ظروف عمل مقذعة ويتعرضون للشتائم والضرب والاعتدائات الجسمانية وجرائم الاغتصاب اللتي تطول الجنسيين
من الأردن نسمع عن عشرات الجرائم السنوية ضد النساء بتهمة الاخلال بالشرف أو هل نسميها تهمة الحب؟
فالحب تهمة وممارستة جريمة عقابها الموت , لا يترادف الحب مع الموت الا في شرقنا هذا
حتى الالفة تهمة ,فمجرد حديث مع رجل أو ضحكة متبادلة قد تضع الفتاة في موقع الاتهام وتعرضها لفحص بربري ومهين لعذريتها قد ينتهي بزغرودة أو رصاصة قاتلة أو ربما طعنة في القلب أو قتلها حية من خلال حبسها بين أربعة حيطان
أما في العراق , فالجثث المتراكة يوميا تمحي تحتها عشرات الجرائم ضد النساء ,الكل في العراق ضحايا تختلط دمائهم بدماء بعض , لكن المرأة العراقية أكثر من غيرها وقعت فريسة للوحوش البشرية التي تغزو هذا البلد من كل صوب ,هل تعلمون أنة منذ الغزو الامريكي ألاف النساء خطفت في العراق؟
فالمرأة أصبحت أداة انتقام بين تلك العصابات الاجرامية , من القاعدة والمهديين
هل تتخيلون ماذا ممكن ان يحدث لامرأة تقتنصها حيوانات جائعة لا ترى فيها سوى كتلة لحمية؟ يا إلهي

الكتلة اللحمية هي ما أصبحت علية المرأة العربية بعدما تحولت الى سلعة تتاجر بها صناعة الفيديوكليبات , أو الى وقف وملكية خاصة للمؤسسات الدينية , جسد بلا روح , يتلاعب بها شيوخ الجهل بفتاويهم الجنسية اللتي تحقرها وتهينها بصلافة ووقاحة, وتنتهك جسدها بجميع خصوصياتة وتفاصيلة من الثدي الى عضوها الجنسي
هل تذكرون مدونتي عن فتوى الترقيع ؟ من مصر أتانا الأسبوع الماضي ما أسفة وما أنجس من ذلك ,وكنت قد نشرت الفتوى الأخيرة لكنني قمت بمحوها لانها كانت تشعرني بالغثيان كلما دخلت مدونتي ولمحتها
الفتوى الأخيرة لم تكن حادثة عرضية يا أصدقائي ولو لم يكن لهؤلاء السفة جمهور لما كان لهم منبر
فالفضائيات العربية تعرض لكم البرامج الاستشارية التي تناقش العلاقة الجنسية من منظور الدين فتلغى فيها أي ناحية حسية وجمالية وتحولها من علاقة انسانية حميمية الى فعل خاضع للفتاوي الدينية , والجمهور يتفاعل ويتصل ويتسائل أي ممارسة حلال وأيها حرام
هذا الفكر أصبح متغلغل ومتفشي ومتسرب ورائحتة الكريهة تفوح من جميع مسامات المجتمع الشرقي
هل تعتقدون أنني أكرر نفسي ما العمل اذا كان هذا الواقع يكرر نفسة يوميا , بل ويتدهور من سيئ الى أسوء
في شرقنا هذا ترسم معالم أخرى للانسانية
وقد نحتاج الى اختراع كلمات جديدة ندخلها في المعاجم فبدل أنثى ربما علينا ان نجد مفردة خاصة تتناسب مع كتلة لحم منزوعة الروح على شكل حواء , ومفردة تعبر عن وحش مفترس على صورة أدم
فهذة الوحوش تغزونا كالنمل من حيث لا ندري , أو من حيث ندري ولا نريد أن نعترف
القاعدة هنا ونحن لا نتسائل لماذا ينمو هذا المسخ فينا , لا اعتقد اننا نستوعب حجم الكارثة المحيقة بنا
القاعدة لا تقترب , القاعدة مغروسة فينا , في المغرب العربي , في مصر والأردن , في العراق والخليج ,وها هي تتغلغل الى سوريا ولبنان وفلسطين
نحن في مواجهة مع الطوفان , مع الموت , لكننا مغيبون بفيديوكليبات الاغراء الساقطة والفتاوي الجنسية النجسة , بالجهل واللامبالاة , بقصص العفاريت والجان , نحن في الحضيض , ولو بقي لدينا بعض عقل نشغلة بتحليل نظريات المؤامرة , ما أن نسمع عن حركة ارهابية جديدة , جند الشام وفتح الاسلام وأنصار السنة وغيرها وغيرها حتى نسارع لان نعلن أنها مؤامرة , تهربا من المواجهة ومحاولة جبانة لاراحة ضمائرنا
بامكاننا أن نقول ان القاعدة كانت في الأساس اختراع أمريكي ولكن لم تكن أمريكا لقادرة على دسها فينا ولم تكن القاعدة لقادرة على التوسع والتغلغل والانزراع عميقا في أرضنا لولا وجود تربة فاسدة وبذور فاسدة وفكر عكر يرويها ولولا اذعان العقل العربي لشهوة القتل ورغبة الموت
وانتشار القاعدة أصلا لا يؤرقنا كما بالحري بنا أن نخاف, فمقتل جندي أمريكي كفيل بأن ينشينا وينسينا كل مخاوفنا وكفيل بأن يغطي على مقتل مئات الألاف من العراقيين بأيد عربية بوسائل وحشية لم تعرفها البشرية قبل الأن
ما هذة الوحشية؟ فتنة؟ مؤامرة صهيونية؟ أمريكية ؟
مهما قلنا وحللنا فالفكرعربي والسكين عربي والقاتل عربي
ونحن لا نريد أن نعترف ولانريد أن نواجة ولا نريد أن نستوعب أننا محاصرون
وأطفالنا محاصرون , كم منكم يخاف أن يجد إبنة معرض لهذ الفكر ؟ كم منكم يتسائل كيف يتعامل الأطفال مع ما يشاهدونة ويسمعونة في الأخبار والتلفزيون
الفضائيات العربية لا تخلو من برامج جهل وتحريض , رأيت برنامج كرتوني على قناة فلسطينية تابعة لحماس يعرض كرتون على شكل ميكي ماوس باسم فرفور يتحدث للأطفال أو بالأدق يغسل دماغ الأطفال بمفهوم الشهادة , بالشهادة كغاية , كهدف اسمى من كل شيئ , ما للأطفال وللشهادة؟
كم منكم يزعجة أصلا أن يكون ابنة مزروعا بهذا الفكر؟
لا أحد لأن ذلك لا يزعجنا كما بالحري بنا أن نرتعب
ربما المثقفون؟ ماذا يعمل المثقفون من أجل محاربة هذا الجهل واقتلاع جذورة من داخلنا؟ ماذا يعمل المثقفون من أجل حماية الأطفال من هذة الروح الهمجية ؟ أين الكتب وبرامج التوعية؟
الخوف من القاعدة ليس فقط من أفرادها انما من التأييد الصامت لها عند شريحة كبيرة من الشباب العربي وحسبهم أنها تدعي الجهاد ضد أمريكا , حسبهم مقتل أمريكي
ترونني متشائمة؟ كلا أنا مرعوبة

سلام لنا جميعا , المهم أن لا نقلق راحتنا بالتفكير

Friday, May 18, 2007

غرف خاوية

أحيانا كثيرة أشعر وكأنني مفرغة من أحاسيسي , من حواسي , من مشاعري من كل ما كنت مملوءة بة من أمنيات
روحي دار هجرت
أتوة في غرفها بحثا عن نفسي , عن ما كان يحييها من حاضر ومن ذكريات
أنا من أنا ,أنا الأماكن التي سكنتها والتي عشقتها , أنا الناس الذين وددتهم وأحببتهم , أنا من عشب تلك الأرض ومن عبق ذاك التراب
انا ما غرقت فية من بحور حزن وما طرت بة من أجنحة سراء
أنا باقة أحلام منها ما ذبلت ومنها ما أزهرت ومنها ما زالت تحلق في فضاء
أنا من رافق روحي من أصدقاء
أنا من كان يسكن قلبي , أنا لوحة سكنت خيالة , أنا الشوق الذي كنت أراة في عينية لحظة اللقاء
لكنني أحيانا كثيرة أجدني في خواء
أبحث عن ذاتي في متاهات ذاتي أجد غرفي فارغة , بهتت فيها الصور , رحل ساكنوها وبعدت الأصوات

أشياء كثيرة تمضي ولا تعد أحلام كبيرة تنكسر فتكسرنا
وجوه تسكن في الذاكرة ثم تنسحب , رويدا رويدا حتى تفارقنا
تمتد يدي بحثا عن وجهه الذي كنت أضمة بين راحتي فأتحسس أخاذيذا دقيقة تحيط عينية في ضحكتة , وترتعش أناملي مع رعشة شفتية في ثورتة ويعبر ابهامي على عينية اللتين كانتا تكشفا عري روحي بنظرة من الرغبة
وتعود لي أناملي وحيدة , أرسلها الى شفتي لاستعيد مذاق شفتية , الامس أنفي , أحاول أن استحضر عبقا كان يسكن داخل مسامات جلدي , أغلق عيني بحثا عن بريق كان يثيرني في عينية
أجد أحاسيسي مني في فرار , يبهت البريق , تذوي في حواسي الرحائق والمذاقات , وتجف في ارضي الأنهار
أبحث عنة في أعماق روحي وأجدة غائبا عن روحي , وأجد نفسي مسكونة في عتمة شاهقة الصمت عميقة الانهيار

حب في الروح يبقى وميض وشعلة ينطفأ قليلا ويعود ليشعلنا
احباء كانوا كيف افترقنا هل هم تغيروا أم نحن تغيرنا

ما عدت تثيرني وما عدت تشعلني , هل أنا تغيرت ؟
أنا ما تغيرت
أنت لم تكن أنت , أنت كنت وهما نسجتة في خيالي من شباك الوحدة وركود الوقت
حلم من ورود وشموع ونبيذ , هكذا ابتدأت
ورود وخزتني أشواكها وشموع لسعتني نيرانها ونبيذ انسكب وتناثر وترك شفاهي جافة في قحط
أنا في دنياك المبتذلة ضجرت
في ضيق روحك لا فضاء لأجنحتي , أنا في أحضانك بغربة أحسست
أنا ما تغيرت
لكن روحك النرجسية امتصتك من داخلي فانزلقت من أعماق روحي وفي خواء بقيت
خواء لم يحدثة بعدك الجسدي انما انطفاء ثورتي الحسية عندما صفعتني خديعتك الكبرى وبنت ما أنت
أنت كنت برجا بنيتة من وحي أمنياتي المبعثرة وفي لحظة انهرت

أما أنا فقد حزمت قلبي وأوصدتك بابك خلفي والى صحراء عزلتي عدت
أدق بابا أخر بحثا عن حب أخر , حب من نوع مغاير لكنة يلامس الروح كما العشق

فهذا الاسبوع كنت على موعد مع الذكرى , موعد من دمع وحنين
تسع وخمسون عام مروا وقبل أيام زارتني فلسطين
ألتقيها في تية وفي غربة وأعانقها بفرح حزين
تنزلق من أحضاني وتصدني بجفاء , تغيرتي وقسوتي , أعاتبها بأنين
تمضي وتتركني في غربتي لوحدي , أحاول ان أستعيدها بشوق ضنين
أستحضر أزهارها ورياحينها ومن كرومها سلال عنب وتين
فواح عطر الحبق , ناصع نوار اللوز , شهي مذاق الزيتون , ومن أهازيجها يشجنني رنين
أسافر الى مفاتيح رحلت عن أبوابها وتاهت في مخيمات اللاجئين
عين الحلوة , تل الزعتر , الدهيشة , جباليا , الشاطئ , وغيرها وغيرها وفي اليرموك وحطين
أبحث عنها في وجوة المشردين الجالسين وراء الابواب في انتظار العودة
في تجاعيد أجدادنا الذين عايشوها وباتوا على حافة الرحيل , هو أخر جيل من ماضيها وسيمضي معة كل ما تبقى من ذاكرة فلسطين
أبحث عنها في التياع في ما يفجع القلب من ألامها , معاناة الناس في الضفة وغزة , الاحتلال والجدار وألاف الأسرى المنسيين
في الحصار والاختناق والجوع والذل ومنع التجول والتهجير وانتهاكات المستوطنين
في الأراضي السليبة , في الكرمل والجليل , في القدس , في بير زيت والبيرة , في سوق الخليل , في أجراس الميلاد في بيت لحم , في رام اللة , في أريحا ونابلس وجنين

فلسطين هي كل هذا , فلسطين هي نحن , كيف انحصرت في غزة؟ هل اصبحت غزة هي كل فلسطين؟

لهؤلاء البرابرة الذين يتقاتلون في غزة والذين احتكروا القضية الفلسطينية لأنفسهم , عذرا لانني لا أعيش حصاركم وقهركم وجوعكم , لكنني سأضطر أن أقسو عليكم وأعلن لكم بأنة من حقنا أن ندينكم ونشجبكم , من حقنا أن نغضب عليكم ونحاسبكم , ورغما عنا نلفظكم الى خارج قلوبنا لأنكم تغتالون أحلامنا , لأنكم تسلبون من قلوبنا روح فلسطين

فلسطين كانت لوحة انكسرت , كانت فكرة اندثرت

فلسطين كانت تواصل عشقي وأصبحت جفاء
فلسطين رحلت وتركتني في خواء

Thursday, May 10, 2007

غربة

من وحي التعليقات على مدونة عن الفحش , وجدتني أخط هذة السطور عن الغربة
أحيانا كثيرة يملؤني احساس بالفقدان ,فقدان الوطن , فقدان الجاذبية فقدان الاحساس بالأمان , امشي في شوارع القاهرة وأنا أحاول أن ألامسها وأجدني محلقة في اللا شيئ , يضيع مني الحاضر وتجتاحني الذكريات , صور من هنا وهناك
أماكن وناس , وجوة وأصوات , دموع وضحكات ,قصص طفولية وأخرى عشقية
ذكريات تهبط بي حتى تنغرس قدماي بهذة الأرض لكأنني مزروعة بها وأخرى تقتلعني كالاعصار وتأخذني معها الى الجبل البعيد
يبقى جزء مني هنا وجزء يحلق هناك , تتمزق روحي أشلاء مبعثرة ما بين هنا وهناك
اعود الى شقتي وأنا مسكونة بغربتي , شقتي هل هي بيتي ؟ ابحث عن جواب في الأشياء , في اسطواناتي الموسيقية, في كتبي , في سريري, في اللوحات المعلقة على الحيطان ,في مزهرية الورد , في ذكريات عشتها فيها وما زالت تعشش بين زواياها الصغيرة , في رنين الهاتف يأتيني بأصوات أصدقائي , في صخب الشارع تحت نافذتي ,في شبابيك الجيران, و
يضيع مني الجواب
أعيد جملة كتبتها ردا على تعليق جاءني من السجين على مدونتي السابقة
الوطن هو المكان الذي بامكانك أن تحلم بة
هذة الجملة خرجت مني بشكل تلقائي لكن أجدني أتوقف عندها كثيرا
ما هو الوطن ؟ عن ماذا نبحث ؟ عما كنت أبحث أنا عندما أتيت هذة البلد قبل عشرة أعوام
سأضطر هنا لمواجهة سؤال دائما تهربت منة, في هذة التدوينة وليس مع نفسي, كنت قد تساءلتة بمنظور عام في تدوينة الى أين عزمي , وهو عن ماهية علاقتنا كعرب 48 بالدولة الاسرائيلية لكنني لم أتعرض أبدا في مدونتي هذة للناحية الشخصية لهذا السؤال , لكونة من اكثر الأسئلة التي أواجهها أو أعيشها تعقيدا , ولأدراكي للجهل العام عن وضعنا وعن قضيتنا وعن معنى الهوية الاسرائيلية التي نحملها واللتي تضعنا على حافة التهمة بالخيانة , دائما كان لدي احساس بأنني اذا لمست هذا الموضوع وكأنني سألمس زجاجا هشا قابلا للانكسار
وانا لا اشعر انة يحق لي أن أضع بيدي هذة المسؤولية فبعدي عن وطني دائما يملؤني بشعور الذنب
أجدادي عاصروا 48 , في لمحة وجدوا أنفسهم في واقع جديد , في حالة جديدة تقلب حياتهم رأسا على عقب
لا أعتقد أنهم يوما توقعوا ذلك
لم يكن التعامل مع القضية قبل 48 , أو حتى بعدها, على قدر حجمها لم يستوعب أحد حجم الكارثة المحدقة بهذا الوطن , كان جدي أبو سليمان رحمة اللة يحدثنا دائما عن رجل يدعى الدرة , كان من معاوني عز الدين القسام , لكن الانجليز استغلوة من أجل قتل الكثير من الفلسطينيين المناضلين والأبرياء , عندما أرادوا التخلص من أي فلسطيني كان يكفي لهم بنشر أخبار كاذبة عن تعاملة معهم لتخوينة , وكان الدرة عن جهل وسذاجة يكمل المهمة فيغتالة بدون تفكير
ويذكر جدي أنة في أحد الأيام ذهب يبحث عن الدرة ليطلب منة بعض السلاح للقرية فوجدة في أحد الحقول يقف مع مجموعة من الثوار تحت شجرة خروب وكان يحمل بيدة غصن شجرة يضعة على أذنة وكأنة هاتف ويتكلم بصوت عالي مع هتلر , أرسل لنا مدافع وبنادق , يقول لة , وأتباعة يستمعون بدهشة وهم يسبحون اللة ما شاء اللة ما شاء اللة
جدي طلب منة بعض البنادق للقرية فهتف الدرة وأرسل لنا بعض البنادق للكفار في القرية الفلانية , كفار على اعتبار أن أهل القرية الفلانية مسيحيين
وهو غافل في سذاجتة , صفع الشعب الفلسطيني وفي يوم وليلة وجد نفسة مشرد ومهجر أو مواطن في دولة جديدة تدعى اسرائيل
وأنا هكذا وجدت نفسي
المجتمع الفلسطيني الداخلي متخم بالسياسة , نحن نرضع قضيتنا منذ ولادتنا , تتعود أذنينا على مفرداتها , ألامها تتسلل الى قلوبنا منذ نعومة أظافرنا , رياحها تعصف بعقولنا فتجرف معها بعضا من طفولتنا , وتتغلغل ظلالها الى أرواحنا
ننمو وجلدنا يمتص رحيق تلك الأرض حتى تصبح عبقا يسكن فينا
في محيط القرية أنت محمي , محاط بأهلك وناسك , بالأقارب والجيران , بحكايات الجد والجدة بكل ما تبقى من فلسطين من ذكريات , بتهاليل الأمهات , باهازيج الأفراح , بالجبال والينابيع والوديان
اختلاطنا في المجتمع الاسرائيلي في مرحلة الطفولة قليل جدا
أذكر أنة كان لي في طفولتي فيل أحمر من البلاستيك كنت متعلقة بة كثيرا , كان يلازمني أينما ذهبت وفي يوم صيفي وكنت دون الخامسة من عمري , جلست لألعب في الرمل على شاطئ الطنطورة , وهي من القرى الفلسطينية المهجرة , ومرت بجانبي فتاة يهودية تكبرني سنا وخطفت مني فيلي الأحمر , هذة الحادثة الصغيرة ما زالت تعبر ذاكرتي حتى اليوم رغم أن ذاكرتنا عن تلك السنين من حياتنا ضئيلة جدا , لكن يبدو أن الأشياء المؤلمة أبدا لا تفارقنا مهما بعدت
لا يوجد لدي حقد على تلك الفتاة لكونها يهودية , هي أيضا كانت طفلة ومثل هذة الحوادث تتكرر عند الأطفال
انما يؤلمني العجز الذي شعرتة , اهلي كانوا بعيدين عني ولم يلاحظوا ما حصل وأنا وقفت مذهولة, الفتاة كانت بالنسبة لي ذلك المجهول الغريب, ذاك الاسرائيلي الذي أسمع عنة دائما في أحاديث الكبار , هي لا تتحدث لغتي ولا تفهمني ولا تريد اللعب معي وأنا لا اعرف كيف أكلمها وكيف أتعامل معها , ولا أعرف كيف أستعيد لعبتي
كانت تلك الحادثة ربما امتداد للصفعة التي تلقاها أجدادي ولم يستوعبوها ولم يستوعبها أهلي , حدثونا عن التاريخ لكن لم يعرفوا كيف يتعاملون مع الواقع ولم يعرفوا كيف يجعلون أطفالهم يتعاملون معه فبقي صفعة نرثها جيلا بعد جيل
في الثالثة عشرة من عمري انتقلت الى مرحلة أخرى من حياتي الى المدرسة الثانوية في حيفا
حيفا مدينة مختلطة وكانت تلك مواجهتي الأولى مع المجتمع الاسرائيلي لوحدي بعيدا عن أهلي وخارج حدود الأمان في القرية , أحببت مدرستي جدا وامتلئت حرية داخل اسوارها , حظينا بمدرسين رائعين , أذكر منهم مدير المدرسة في ذاك الوقت الكاتب حنا أبو حنا الذي قال عن حيفا

جمال حيفا مأساوي عميق الجرح, فأنا الذي عرفت المدينة قبل النكبة عندما كان يعمرها سبعون ألف فلسطيني ثم كانت النكبة , فلم تبق الا ثلاثة ألاف واحتل بيوت مشرديها الغرباء وهدمت أحياء وغيرت أسماء , أمر بالبيوت فأتذكر أصحابها , أتذكر الأصدقاء واللقاءات وأرى الكرمل والبحر والأفق الفتان فينزف الجرح وتحوم أسراب السنونو فأرى فيها أسراب مفاتيح فأقول

مهب الخناجر هذي النوافذ
مفاتيح زوبعها في الفضاء الحنين
يزعق من لهوات السنونو
تحوم تسأل عن مقلة الباب
عن عتبات البيوت وحوض الحبق
هنالك من شارع الجبل النشجات
ومن جادة الكرمل الحشرجات
تشلخ أسماؤها ويمحو الزمان المكان

ومدرس العربي الكاتب محمد علي طة , أذكرة مرة في ليلية صيفية , كنا في رحلة مدرسية مخيمين على شاطئ طبريا جالسين لنتأمل البحيرة في صمتها تحت ضوء القمر وقد اختار أن يعرب لنا قصيدة
بنفسي تلك الارض ما أطيب الربى وما أحسن المصطاف والمتربعا

أشكر لكل هؤلاء المدرسين ما زرعوة فينا من فلسطينية , اشكر لهم جرأتهم في الخروج عن المنهج المدرسي وعن الكتب المقررة من وزارة المعارف فكانوا يسردون لنا التاريخ سطورا من ذاكرتهم وذاكرة أجدادهم يسكبون معها كل ما يختلج في أرواحهم من أحاسيس من أشجان من حنين لوطن ما زلنا نسكن فية ويسكن فينا لكننا نعيش على حافة الخوف بان ينزلق منا ويمحو الزمان المكان
كما في القرية داخل أسوار المدرسة أنت محمي بكل هذا العنفوان الحسي لفلسطينيتك, لكيانك وذاتك , خارج أسوارها انت لوحدك تواجة الغربة داخل وطنك , في الشارع تنفصل عن ذاتك , تغير لغتك , منذ طفولتك تبدأ بالتعود على لغة جديدة , تتلعثم في الكلام خائفا من أن تخطأ فيهزؤون منك , تغير سحنتك في توقع أي سحنة غريبة ترمقك بنظرة استعلاء, بنظرة احتقار أو بنظرة شفقة , تمشي وأنت في حالة ترقب مسكونا بعدم الأمان , تخفي هشاشتك وتلبس قناع من القوة كي لا يستضعفك أحد
تجد نفسك محاط بناس مثلك , أمهات حبالى , عجائز واطفال , يتنفسون ويشربون وياكلون , يضحكون ويبكون
تحدق فيهم وعقلك مسكون بقصص أجدادك , بوجوة المشردين, بمعاناة الناس في غزة والضفة ومخيمات اللاجئين
بصوت المدفعية الاسرائيلية , بالدم الفلسطيني , بأشباح الناس التي كانت تسكن في أحياء حيفا القديمة وهجرت منها , شارع الجبل والألمانية وادي الصليب ووادي النسناس , بحجارة هي ما تبقى من قرية زرتها مع والديك في رحلة للذكريات , عتليت , الطنطورة , أم الزينات
تحاول أن تنفصل , تبتعد عن الوجوة تصم أذنيك عن الاصوات تبحث عن ذاتك في ذاك الجبل وفي تلك الأرض, في بيوت حيفا الحجرية القديمة , في رمال الشاطئ وفي نسيم البحر , يطردك الزمان وتحتضنك حيفا وتتمزق ما بين الزمان والمكان

كعادتي تشتتت وطالت تدوينتي وأنا ما زلت في بداية المشوار ولم ألمس بعد السؤال الذي ابتدأت بة عن ماهية الوطن , عما ابحث , سأحاول ربما أن أكمل هذة التدوينة في جزء أخر

Sunday, April 29, 2007

عن الفحش

ذهبت البارحة الى سيتي ستار مع صديقتي , المكان هو حالة استهلاكية صارخة , لا أحبة وقلما أذهب الية , في الحقيقة أنا أذهب من أجل القهوة التي أعشقها وأفتقدها في مصر حيث تسود حضارة الشاي , بينما أنا منحازة بتطرف للقهوة وبعض المحلات في سيتي ستار تقدم العديد من مذاقاتها الرائعة
المهم أنني كلما ذهبت هناك أفاجأ بالمزيد من المحلات الجديدة ومفاجأة البارحة كانت افتتاح جناح كامل في المجمع يكاد يقلد أغلى شارع في لندن , شارع بوند الشهير بأرقى الأزياء العالمية , ايسكادا وجوشي وبرونوفيس وأرماني وغيرها , القطعة الواحدة من اللبس تبتدأ من ال1000 جنية وتتجاوز ال5000
لمن لا يزعجة ذلك فالحد الأدنى للأجور في مصر بحسب القانون هو 102 جنية , حسب أخر معلومات عندي , ربما ارتفع قليلا
غريب صح؟ والأغرب من ذلك هو الاقبال على تلك المحلات ليس من الخليجيين فقط بل ومن المصريين أيضا
لا أطيق أبدا المكوث هناك , طالما أمل بسرعة , تزعجني الكتل البشرية التي تجتاح محلات الأكل الأمريكي السريع والنساء اللواتي تأتين الى المجمع بأتباعهن من الخادمات الفيليبينيات أو السيريلانكيات وتتمشين بتكاسل محملات بأكياس المشتريات التي قد تعيل عائلة كاملة لأكثر من شهر
هذا المكان دائما يزيدني غربة وعزلة , يضيق بي فأشعر بالاختناق وأسارع في المغادرة
قبل أيام لفت نظري اعلان على كوبري 6 أكتوبر , قريبا في مصر , صورة لفندق يشبة فندق برج العرب في دبي, فندق أخر وحالة استهلاكية أخرى , القاهرة قاربت على الانهيار تحت وطأة الفنادق
أذكر السنة الماضية سافرت مع أصدقائي الى الساحل الشمالي وقمنا بزيارة لبورتو مارينا , أحد الفنادق الجديدة فاحش البذخ , تقليد مصغر لفينيسيا , قنوات مياة اصطناعية تجوبها الجوندولا التي تعتليها ناس فاحشة الثراء تحلم انها في فينيسيا فتزداد تحليقا واغترابا عن واقعها , وتحيطها محلات لماركات عالمية فاحشة الغلاء , مطاعم ايطالية وموسيقى يونانية , المكان جميل جدا لكني لم أجد نفسي فية , فرحت أكثر عندما سافرنا الى الاسكندرية بالليل , وصلنا الساعة الثانية صباحا , القهاوي الشعبية على كورنيش اسكندرية كانت مكتظة بالناس , والشاطئ امتلئ بالعائلات التي أتت لتقضي سهرتها هناك حتى طلوع الفجر , ظلال السباحين الذين ملؤوا البحر لاحت لنا في العتمة ,السباحين في اسكندرية دائما يذكروني بالسباحين
في عكا الذين يعتلون سورها العملاق الذي قهر نابوليون ويرمون بأنفسهم بثقة وأمان للبحر الهائج , أبناء البحر لهم سمات واحدة وعلاقتهم الحميمية بة لا شيء يكسرها , يلقون بأنفسهم الية وكأنة حضن أمهم مهما كان عنيفا مهما صخبت أمواجة انما يستقبلهم بحنان
صوت الامواج المتلاطمة بالصخور في شاطئ اسكندرية كان حقيقي ولا يشابة في شيء هديرها الزائف في بورتو مارينا
وأعود الى موضوعي
من أين تأتي هذة الثروة ومن أين تأتي كل هذة الطاقة الاستهلاكية؟وما هذا الجشع؟
وأية عبثية بأن تسخر القوى العاملة في مصر في بناء مشاريع تزيد قهرهم قهرا
وأي قهر هذا بأن يطحن الفقراء في أعمال بناء شاقة , تأتيهم بمعاش بائس وكسرة خبز لأطفالهم, من أجل أن يوفروا للأغنياء المزيد من الكماليات؟
ولماذا تكرس مصر نفسها قربانا للخليجيين وهي لا توفر لأبنائها لقمة العيش
لماذا تفتح لهم هذة الفسحة من الرفاهية وهي تنغلق على أبنائها حتى الاختناق
وأية جريمة في اسراف كل هذة الأموال على هذا الترف الفاحش؟
لا شك أن النظام السياسي هو الذي أدى الى هذا الانفلات وهذة الفوضى الاقتصادية وهذا الفساد , انما أين الشعب ؟
أين هذا الشعب الذي يشاهد كل يوم جريمة ويسكت؟
الشعب الذي في ثراءة يذعن لشهوة البذخ وفي فقرة يذعن لما يلقى الية من فتات
لماذا تذهب كل الاستثمارات على المزيد من الفنادق والمزيد من القرى السياحية ؟ لكي يقتني الأغنياء المزيد من الشاليهات التي تمحي تحتها رمال الشطأن الذهبية ؟
لماذا يشقى سكان دول شرق أسيا لتصنيع بلادهم بينما لا نصنع نحن سوى ما يترفنا
كيف استطاعت هذة