Thursday, August 17, 2006

وسط البلد

تسع سنوات مرت على وجودي في مصر ولا ادرى كم سيمر بعد
ما زلت فلسطينية القلب والروح ,العينين والاسم ,فلسطينية الحلم, ولكن تسع أعوام هي قرابة عقد من الزمن تجعل لمصر مكانتها الخاصة في القلب وتجعلني ابحث في الجزء المصري , لن اقول لهويتي لانها ستبقى ابدا فلسطينية ,
ولكن فلنقل في الجزء المصري من كياني
استعيد تلك الذاكرة وما قبل تلك الذاكرة
لحظات التخبط والارتباك امام قرار انتقالي من قريتى الصغيرة على سفوح جبل الكرمل , الى عالم كبير مجهول, الى القاهرة
لحظات صراعي مع نفسي , لانتزاعي من دفء قريتي
من الامان الذي ياتي من صباح الخير ومساء الخير ومرحبا في شوارع القرية
من حنان امي الفائض و قهوتها الصباحية
من التين والعنب الذي يصحى ابي باكرا ليقطفة لنا من السناسل الجبلية
من رائحة الخبز السخن في طابون جدتى
من عقال وكوفية وعباءة عربية ومسبحة وعكاز هم ما تبقوا من ذكرى جدي
من موقد نار نتدفىء علية شتاء ودردشة مع الجيران في ليلة صيف
من الارض الطيبة ونوار اللوز و شجر الزيتون, من الجبل العالي الاخضر المعبق بروائح ازهار النرجس وشقائق النعمان واشجار السرو والصنوبر والخروب والسنديان
من اخواتي و اصدقائي وخمسون هم ابناء خيلاني واعمامي
يبدو انني لن استطيع وقف هذا المد الجارف من الحنين لفلسطين وساتركة لتدوينة اخرى
كانت لي مصر كتب احسان عبد القدوس ونجيب محفوظ , فيلم عربي واغاني حليم وام كلثوم ,ومجتمع قد اكون ادركت انة سوف يكون مختلف عن مجتمعي وان لم ادرك عمق الاختلاف
واتيت مصر
تنزل في مطار القاهرة عابرا فيلات مصر الجديدة لينتهي بك طريق العروبة في المقابر التي تحولت الى بيوت لالاف البؤساء ولا تستطيع التجاهل ولا تستطيع ان تغض النظر ولا تستطيع ان تتفادى الصدمة الحضارية
في اشهري الاولى قبل ان اتغلغل في المجتمع المصري الذي ياتيك بصدمات من نوع اخر ,كنت اتجول في القاهرة لاتعرف على معالمها ما بين المهندسين وبولاق , هليوبولس والعتبة , المعادي الجديدة والمعادي القديمة, كنت اشعر كانني في دوامة, كانني اعتلي دولاب في مدينة الملاهي اعلو واهبط واعلو واهبط حتى افقد نفسي واصاب بالدوخة
وكنت فعلا اعاني جسديا من تلك الحالة وعند مراجعة طبيبي , وصف حالتي بالصدمة الحضارية
-culture shock-
وابتدات عملي وابتدات حياتي في مصر في مسارات تجمعني وتفرقني مع مختلف مجتمعاتها ما بين مصر الجديدة وعين شمس وشبرا والزمالك وحلوان وغيرها
الطيبة مقابل الحقد ,التلقائية مقابل الابتذال الفقر المقذع مقابل الثراء الفاحش
خفة الدم الشبراوية مقابل ثقل الروح في مجتمعات البذخ
الجشع في المجمعات التجارية المصابة بالطفرة الخليجية مقابل القناعة على وجة ياكل الترمس على كورنيش النيل
الضحكة المنتصرة على كل شيء والخنوع السائد
وكان وما يزال يحيرني هذا الاستقطاب فكيف ممكن ان تكتمل مصريتك ان لم تمش في النحاسين و بين القصرين
وان لم تدخل قصر الغوري والخيامية
وكيف تاكل التشيليز ولا تدري طعم الكباب في السيدة زينب وتشرب القهوة في سيلانترو ولم تذق طعمها في الفيشاوي
وكيف تعبر من مصر الجديدة الى المعادي القديمة وتغض النظر عن البؤس الزاعق الى السماء في منشية ناصر, وكان اهل تلك الضاحية قد قاموا ببعض الرسومات على حوائط بيوتهم كانهم يصرخون نحن هنا مع اننا منسيون وما زال فينا بعض من الجمال برغم كل هذا القهر
كيف تسهر في ريتمو وبيانو بيانو ولا تنزل من المرسيدس لتشم ليل القاهرة من على كوبري قصر النيل
كيف تبحث عن تقليد , مثير للاستفزاز , لخان الخليلي في سيتي ستار وقدميك لم تخطو ابدا ازقتة الضيقة بين اسوار قاهرة المعز
وتشم العطور البارسية ولم تصل اليك روائح التوابل والعطور في العطارين
وتركب الجوندولا المزيفة في بورتو مارينا ولم تعتل ابدا فلوكة في النيل
وتستمع الى موسيقى الجاز في النايل هيلتون ولا تجلس لسماع عازف عود في احد مقاهي الحسين
كيف لا تاكل الذرة المشوية في غيط المنوفية والفطير المشلتت في قرى الصعيد
كيف لم تتعرف بعد على اهل الواحات المنسيين بعيدا بعيدا ولم تلمس نقائهم حتى الان
صاحبت مرة احد عملائي البريطانيين لعشاء عمل في النايل مكسيم اللتي تقدم تراث مصري تعرضة راقصة روسية
ورافقتة صباح الجمعة الى المتحف المصري وبعدها الى خان الخليلي وكانت مواقف السيارات المحيطة بالخان تكتظ بالاوتوبيسات الاتية من القرى للتنزة في القاهرة في العطلة الاسبوعية والناس تنزل منها جماعات جماعات , تحمل الدرابيك والسندويشات, فسالني عن ذلك المولد وشرحت لة , وفي احد المقاهي الشعبية في احد ازقة الخان جلسنا لناخد الشيشة ونحتسى القهوة واتت مجموعة من هؤلاء ليجلسوا بجانبنا وابتدؤوا بالدربكة والغناء فقال لي وانا ارى في جهة تاثرا قد يلامس الدموع , وهو البريطاني المتعود على البرد اللندني , تلك هي الحياة
فكيف تكون مصريا وانت لم تذق طعم تلك الحياة
وكيف تكتمل مصريتك وانت تنزل وسط البلد لتشتري حذاء ولا تسمع صدى تاريخ ما زال يحاول ان يناديك
وانا كنت انزل وسط البلد لاشتري حذاء حتى جائت معرفتى بالفارس الاخير والفارس رفيق العقل و صديقي بكل ما تفجرة كلمة صداقة من معاني,فمعة تاتي اللا كما النعم , معة اضحك والية ابكي وانا اشاركة طبق السلطة البلدي
وهو بئر عميق اسكب الية بامان جميع اسراري
والفارس هو اخي في مصر
كانت صداقتنا قد ابتدات في مصر الجديدة , واذكر يوما دعاني لاصطحبة لتناول الغذاء برفقة اطفالة نور واكرم في تشيزا ,وتشيزا تقع على حدود وسط البلد , منها ابتدات رحلتي في شوارع وسط البلد بصحبة الفارس اواكب خطاة فاشعر بدوي مهيب للارض ابحث عن مفهوم وسط البلد الضائع وراء واجهات المحلات المكدسة بالملابس والاحذية
ومن عينية ابصر جمال المباني العريقة من وراء القبح الزاحف , او زحف النخيل كما يسمية الفارس
والتقي بمصطفى كامل وسعد زغلول , واصل الى ميدان طلعت حرب فاسجد خاشعة لا للجمال المعماري بل لروح مصر العملاقة في ذلك الزمن الجميل
وفي رحلة بحث عن مكتبة , في شوارع مشوهة بنقص المكتبات , نسير جنوبا من ميدان طلعت حرب في شارع قصرالنيل , وننحرف يمينا لنمشى داخل ازقة تعج بالمقاهي الشعبية هاربين من سطحية الخانعين نحاول ان نصل الى عمق الكادحين فنجدة هناك عمر قيناوي في امبراطوريتة اللتي لا تغيب عنها الشمس, مكتبة صغيرة تحاول جاهدة النبات في ارض قاحلة
اهلا عمر
وانا اجلس هناك بين الفارس وعمر واصدقاءة ,ارى وجها اخرا لمصر , وجة مصر المتمرد فلا يملكني الا ان ادندن
نشتاق للشمس تهل علينا
تهل علينا صباح النصر
نشتاق للثورة تهد وتبقي
تهد وتبقي الدنيا في مصر

الى اصدقائى الفارس والامبراطور , اهدي هذة المدونة



10 Comments:

Blogger tota said...

عشتار الجميلة
كنتى قبل تسع سنين تنظرين الى صورة ملونة عن القاهرة وما فيها الان انت داخل الصورة والفرق فى المشاعر واضح
ان تكونى خارج اطار الصورة فانت فقط تنظرين وان تكونى داخل اطار الصورة فانت تتفاعلين
هذا البوست هو دليل تفاعلك مع كل جزء زورتيه مع كل انسان قابلتيه مع طعم ورائحة الاكل المصرى مع الفارس وغيره من اهل مصر
برغم عيوب الشعب ورغب القهر ورغم الفقر ورغم كل شىء يبقى شىء فى القلب وهو روح الطيبة المصرية ريحة ارض مصر الطيبة والطين والشجرة القديمة العالية والساقية وينقصك فقط ان يكون لك ذكريات قديمة وكده بقيتى خلاص مصرية مش بالميلاد والشهادة بالاحساس بكل ركن فى البلد دى
رقيقة انت حين يتحدث قلبك وليس عقلك
مع تحياتى

8/17/2006 08:34:00 PM  
Blogger بعدك على بالى said...

عشتار

هنا أو فى فلسطين البشر جزء من خصوصية المكان .. ذكرياتنا .. أحلامنا وحتى إنكسساراتنا تتشكل وتتبدل وتتكون مع وبمن حولنا... البشر هم الذين صنعوا الحضارة وأيضا نفس السلاله نجحت فى القضاء عليها..
قد نرى بعيوننا أو بعيون الأخرين ولكن الأجمل أن ترين بقلبك فهو الأصدق فى الإخساس .. لم يحتويكى فقط قلب الفارس والامبراطور ولكن قلوبنا جميعا وطن لك...
تحياتى

8/18/2006 12:23:00 AM  
Blogger Fares said...

Wow Reem, you took me from the summer vacations in the villages of Syria and Lebanon (descriping your palestinian village) to my trip to Egypt five years ago which was so rich with so many contradictions but very memorable and enjoyable. The only regret that I have not really met any people (Except for some side conversations) in Cairo except the kids who were trying to take me to some oriental perfume or sourvenir shops. May be because Cairo is very big and people (myself included) were very reserved. I met so many other nice Egyptians everywhere else.

Excellent work Reem and hopefully one day you would live where you want to live. Just like a lot of expat from Syria and Lebanon who would want to go back one day and enjoy their countries with no corruption or no major risks.

8/18/2006 12:45:00 AM  
Blogger عشتار said...

توتا وبعد على بالى
شكرا لكما , انا اعتز بذلك الركن اللذي احتلتة مصر في قلبي بدفئها وطيبة ناسهاوما زلت احاول كبقية المصريين بالسفر الى ما وراء الزمن
للتمسك بحضارتها لاني فعلا احس انني اصبحت جزءا منها

8/18/2006 11:28:00 AM  
Blogger عشتار said...

Fares
Am always honored by your visits
This post was meant to be for cairo , but mentioning palestine has exploded a flood of nostalgie that i couldnt hold.
I hope we as expats will all keep holding to that nostalgie until one day we find our way back home.

8/18/2006 11:37:00 AM  
Blogger lastknight said...

الى ربة الشام .. الرائعه .. صديقتى بمعنى الكلمه
منذ المقدمه التى كتبتها الدكتوره نعمات فؤاد لكتاب القوميه المصريه .. لم أقرأ مثل موضوعك فى عشق مصر .. سلاسه صادمه استوعبت التناقضات المصريه كلها و احتوتها بكلمات و كأنها تحتضن هذا الوطن .. حديثك الرقيق عن فلسطين الحبيبه شوقنى لأعرف المزيد عن أهلى هناك .. و حديثك العاصف الذائب (بكل مافى المعنى من احتواء التناقضات (جعلنى أشعر من جديد بحيوية هذه البلد .. التى قهرتها حضارة العبيد .. و جعلتنا معا .. ننتظر انفراجا فى الغيوم لتعود لبلادى سيادتها .. و كبريائها .. و حيويتها ..
أفخرى بكونك فلسطينيه .. و أيضا يحصولك على حق أن تكونى مصريه ..فبعد احتوائك لملامح مصر بهذا العمق ..لا ينازعك أحد على مصريتك

وبعدين أيه الحركات بتاعتك دى ؟ مش اتفقنا لما تنشرى أسمى تحطى جنبه صورة عمر الشريف و تقولى أنظر الشكل ؟ انتى بتهرجى ؟ هو ده اللى اتفقنا عليه ؟

8/19/2006 01:09:00 AM  
Anonymous Anonymous said...

رائع يا عشتار رصد دقيق لتناقضات هذا البلد الغريب الذي نحبه رغم كل عيوبه

8/19/2006 01:44:00 AM  
Anonymous Anonymous said...

صديقتي عشتار إقشعر بدني وأنا أقرأ وصفك للمكتبه تحاول النبات في أرض قاحله أشكرك بشده وأؤكد أنها ستنبت لأنها ترتوي ببشر حقيقين هم أنت وكل أصدقاء هذا المكان الذين لم تفسد أرواحهم ولم تصيبها نيران عصر الإنحطاط الذي نحيا فيه التدوينه ممتازه يا عشتار أصبح قلمك رشيقا قادر علي النتقال من فكره لأخري بخفه تحسدين عليها برافو عمر قناوي

8/21/2006 02:39:00 AM  
Blogger عشتار said...

عمر والفارس
شكرا لتشجيعكم لموهبتي الادبية :)
دائما اعتز بصداقتكما و لقائاتي بكما تعني لي الكثير وكما قلت فانها كانت مصدر ايحائي لتلك المدونة اللتي احبها

8/23/2006 12:39:00 AM  
Blogger Reformer1976 said...

عزيزتي عشتار
قرأت هذه التدوينة اليوم
وذاب قلبي
ما زال قلبي ذائبا كالشمع بينما أكتب تعليقي
لا أجد ما يمكن أن يكتب بعد العمق الرائع الذي عبرتي به
كثيرون يشاهدون ولا يرون
يسمعون ولا يفهمون
تسع سنوات شاهدتي ورأيتي
سمعتي وفهمتي
وتغلغلتي في عمق مصر ربما كما لم يختبره الملايين من بني شعبي
الملايين منا لم يلمسوا قلب بهية كما لمستيه
لقد صرنا محترفين في التعامل مع قشور الأمور
ولا ننفذ أبدا إلى القلب
فلسطين فيكي صارت وطنا بلا أرض
بينما مصر فينا وبنا وبسببنا صارت أرضا بلا وطن
تغربتي عن فلسطين لكن هويتك بقيت
أنا فلسطينية
ونحن لم نتغرب ولكن ضاعت وطمست هويتنا فتغربنا ونحن على أرضنا ولا أقول وطننا
جميعنا في حالة غربة يا أختي
جميعنا حنظلة

(دموع)

9/25/2006 10:45:00 AM  

Post a Comment

Links to this post:

Create a Link

<< Home