Wednesday, July 02, 2008

التفاصيل الصغيرة

في الفترة الأخيرة وبسبب مرض أبي أسافر كثيرا الى البيت ,وقد قضيت عطلتي الأسبوعية الاخيرة هناك
صباحا على ربوع قريتي , ركوة قهوة , لبنة , زعتر , زيت وزيتون , أبي , أمي وأخوتي
ظهرا يأتي الأحفاد من المدينة , استعيد برفقتهم طفولتي , أطبخ لهم المعكرونة ونجلس للغذاء , أسألهم عن مدرستهم ويسألوني عن أبو الهول والأهرامات , عن شقتي القاهرية, وسابقا كانت الصغيرة تعتقد أنني أعيش في محل للعب الأطفال , لأنني دائماأتيها بالهدايا ولم تكن تستوعب أن لي في مصر بيت فسألت أمها ان كنت أنام في الشارع أم داخل دكان الألعاب
أول ما أتيت مصر وأيضا بحكم عملي وأسفاري العديدة عشت لفترة ما في فندق وكان دائما يراودني وما زال حتى الأن حلم عن بيت كبير بة غرف عديدة وكلما دخلت غرفة أجد بها أبواب لمزيد من الغرف , وأنا أرجع حلمي هذا
لضيقي بغرفة الفندق التي لم تكن تسعني ولا تسع أحلامي
لكل منا أنا وأخوتي طريقتة في مواجهة أو بالأصح عدم مواجهة ما يحدث لابي , في لحظات انكساري أبحث عنهم , أجدني أهاتفهم جميعا الواحد تلو الاخر وبي حاجة ملحة وموجعة للحديث عن أبي والتكرار بلا ملل لكل ما قلتة وسمعتة عن أدق تفاصيلة الصغيرة
لاحظت في البيت أن أختي كثيرة التقوقع على ذاتها ودائما ما أجدها تكتب على هاتفها المحمول , فهمت بدون أن أسالها أنها تلجأ لعالمها الخاص هربا من واقع أبي , اعترفت لي لاحقا انها تكتب خواطرها على شاشة الهاتف من ثم تنقلها الى أوراق قد تنشرها لاحقا في كتاب ,أطلعتني على بعض منها , تكتبها بالانجليزية واليكم ترجمة لبعضها
عن أختي
لم تكن لي في حياتي أبدا فترة بهذة القسوة بهذا العذاب بهذا الألم ولم أكن ابدا في سلام مع نفسي كما أنا الأن

أنا في سلام مع كل العالم
حتى مع هؤلاء الذين أعلنوا علي الحرب ومضوا
ليس بي ذرة من الحقد عليهم
أنا مشتاقة لما كانوا علية

على رمال الشاطئ الدافئة استلقيت ورغم كل ما يحصل في البيت أشعر بانبساط
أراقب أصدقائي الصيادين , انة ليس يوم للصيد يا أصحابي
أغمضت عيناي وفتحتهما بسرعة خوفا من تسونامي , تسونامي في حيفا؟
عشت صدمات كبيرة في فترة قصيرة وكبرت عشرين سنة في أربعة أشهر
سأصدق الأن لو قالوا لي ان الطاولة تحولت لقطة وأنها أيضا نطقت ,وحتى موجة ناعمة قد ترتفع فجأة بما يكفي لمداهمتك وابتلاعك قبل أن يكون لديك الوقت لتسأل لماذا يا موجة


كانت هنالك لحظات من ألم فوق أي طاقة احتمال , أبي استلقى على فرشة على الأرض , موجوعا مذعورا ونادى لأمي , أتت الية وبصعوبة فائقة استلقت بجانبة , عندما شعر بألام ظهرها طلب منها العودة لمقعدها , لم ترضى , بقيت بجانبة تمسك يدة وتمسد رأسة الذي تساقط شعرة, تسألة كيف بامكانها أن تساعدة , بماذا يشعر , ماذا يؤلمة , وهو
مستمر بمناداتها باسمها , في تلك اللحظة نزلت الملائكة من السماء وفهمت أنا ابنة من, من هم أهلي
نحن الاولاد جلسنا بعيدا نراقبهم عاجزين ,هذة اللحظة لن تفارقني ما حييت

كانت تلك خواطر أختي وأعود لخواطري
عصرا أجلس برفقة أبي واللاب توب , أقرأ لة مقالات من الصحافة , لكن في أي موضوع حديث تحضر ذكرياتة لتأخذة بعيدا الى ما قبل 48 , يسردها حتى يعاودة السعال ويتعب , يحدثني عن أيام الفقر والجوع أيام كان يضع جدي بعض اللحمة في صفيحة تنك ويأخذة معة ليبيعاها على أحد أرصفة حيفا , يذهب الى دولابة الشخصي ويحضر لي أكواما من الاوراق القديمة نبعثرها على السجادة ونجلس متربعين لنقرأها , أوراق جدي الفارس الوسيم , خرائط وجرد لأراضي بعض القرى الجليلية , مساحاتها , من يمتلكها , ووصف لما منها من حقول أو ما منها من أحراش , رسائل عمتى فليسيتية المصرية الية وكنت قد حدثتكم عنها في مدونة نهايات وبدايات , أخوي يا نور عيوني تبتدأ رسائلها ,تسأل عن أحوالة وتطمئنة عن أحوالها , دفاتر أبي المدرسية , أحاول فك خطة الابتدائي في الأوراق الصفراء البالية وهو يصر على أن يقرأ لي بعض المقاطع بنفسة , يبدو أنة كان شديد المشاغبة في المدرسة , فمع ملاحظات معلمية المداعبة والمحبة الا ان أحد الدفاتر احتوى على عقاب عبارة عن قرابة الثلثمائة سطر مكرر لاعلان اعتذار يقدمة للمدرسة عن بعض تصرفاتة ويعد بعدم تكرراها, الخط يختلف من صفحة لأخرى وعندما سألتة عن ذلك قال أن جعل خطاب أخواتة البنات ينسخون لة العقاب كل بدورة

نفتح دفتر الشعر
المدرسة الابتدائية الأميرية
القرية الفلانية
فلسطين سنة
1947
اسم المعلم جريس الخوري


يقرأ لي أبي احدى القصائد بعنوان الدم الشريف , القصيدة طويلة جدا لكن ملخصها عن ضابط جيش يخطب في جنودة باعثا فيهم الشجاعة ويرسلهم لساحة الوغى
خاطب الضابط الجنود مثيرا
في صدور الجنود نار الحمية
سقطت راية البلاد فمن
ينقذها ايها الجنود الأبية

ويستشهد ابن قائد الجيش في المعركة

وفتى صاح قائلا بفخر
أنا للعبء لا أخاف المنية
وكليث خاض المنايا
وقد غاب عن العين في الوغى الدموية
أنقذ الراية الشريفة ولكن
بعد أن قدم الحياة ضحية

سمعوة يقول اذ حملوة
بأنين كأنة أغنية
بلغوا أمي المصاب رويدا
أبلغوها الوداع مني تحية
هي تدري محبتي وحنيني
للقاها وطاعتي البنوية
أبلغوها كي لا تطيل انتظاري
أنا للبيت لن أعود العشية
خبروها أن ليس للام مثل
ليس كالأم نعمة بشرية
ويكتشف قائد الجيش إصابة ابنة
أسرع القائد الكبير الية
وجثى قربة ويا للبلية
ولدي صاح صيحة أدمت القلب
وسالت لها الدموع سخية
ولدي الباسل الوحيد
وعهدي بك في البيت لم تصبك أذية
أبتي أصفح اني هربت ومثلي
من يلبي أبي نداء الوطنية
قال هذا وجاد بالروح حالا
وعلى الثغر بسمة ملكية

يبكي أبي في نهاية القصيدة ولا أدري ان كان يبكي على الفتى أم على أبية أم على عمرة الذي ولى
تستوقفني قصيدة أخرى في نفس الدفتر ,ستون عاما قبل الأن وما زال حالنا على ما كان علية
مشت الشعوب الى الأمام وفي وطني مشينا للوراء سكرى
من لي بمخترع قضى زمنا يحيي الليالي مجهد الفكر
لا ابرة في وطني صنعت فعلام يصبح وطني حرا
والشعر ليس بمسعف وطني كم عندنا من نظم الشعر
والقول ليس بمسعد أمما كلا وليس بقاتل فقرا
ما كان بالأفعال أجدرنا والجد والأخلاص بالأحرى
ولى زمن النوق بل ذهبت أيام زيد ضارب عمرا
أنا ان بكيت فليس ينفعني دم جرى في أعيني نهرا
والدمع ليس بنافع وطني كلا وليس بمصلح أمرا
لو كان لي من أمتي رجل ما كنت يوما أشتكي دهرا
لولا معزتها وعزتها لنطقت بما مضني كفرا
وبرئت من عروبتي علنا وعشقتها وعبدتها سرا
فقد ضقت صدرا بالحياة ومن يبصر مذلة يضق صدرا

لا يدري أبي من الشاعر وأشك أنة قد يكون معلمة الذي يصفة بانة أكثر الاشخاص تأثيرا في حياتة , فقد حدثني بأنة في يوم ما أتى هذا المعلم وأبلغهم أن ادارة المدرسة معترضة على الأشعار التي يلقنها للطلاب وأتاهم بقصيدة جديدة عن الثعلب والديك
الأحد يبتدأ صباحي بمرافقة أبي لجلسة أخرى من العلاج وينتهي بحقيبة سفر
وعودة للقاهرة

2 Comments:

Anonymous Basma said...

لم تكن لي في حياتي أبدا فترة بهذة القسوة بهذا العذاب بهذا الألم ولم أكن ابدا في سلام مع نفسي كما أنا الأن

ربما يا عشتار حينما تحاصرناالقسوه والألام وتعزلنا لفتره عن التفكير في العالم نجد الوقت لنري ما في أنفسنا جيدا
رغم مشاهد الألم التي تملاء كتابك هذه المره إلا أن صوت الشجن أعلي بكثير
تحياتي
وبقلب صادق أتمني أن يهون الله عليكم

7/03/2008 10:25:00 AM  
Blogger عشتار said...

العزيزة بسمة
شكرا
أنقل لك من كتابات أختي ردا على ما جاء في تعليقك

لم أرى ما أعطاني اياة اللة , الا عندما فقدت جزءا وأصبح لدي الوقت لانظر الى بقية الأجزاء

تحياتي

7/03/2008 02:03:00 PM  

Post a Comment

Links to this post:

Create a Link

<< Home