على شفير الهاوية
أعود بذاكرتي لذات ليل شتاء قاهري ,كنت أمشي في طلعت حرب, المحلات مكدسة بالبضائع , ملابس وأحذية بألوان فاقعة صفراء زرقاء حمراء خضراء , والشوارع مزدحمة بالشباب والصبايا والعائلات وعيون تطل علينا من وراء ستائرها المسدلة السوداء , في مصر يطلقون العشوائيات على بعض المناطق الشعبية إنما مصر برمتها أصبحت حالة عشوائية إختلط فيها الحابل بالنابل , قد أكون ذكرت هذا في أكثر من موقع لكن تتمثل لي عشوائية مصر كلها في لبس النساء المتنوع من أحدث صرعات الموضة الى الحجاب بأشكالة وطرق ربطة المختلفة , الى العباءة , الى الشادور فالنقاب وقد تتجمع هذة التناقضات كلها على جسد واحد عندما تلبس كثير من الفتيات ملابس الستريش الشديدة الالتصاق بالجسم وتلف رأسها بحجاب , أشفق على المرأة في حالة التية هذة , في هذة التخبطات التي تواجهها منذ بداية مشوار حياتها فتتخبط معها الأماني والأحلام والطموحات , وتتعثر رحلة البحث عن الذات في هذا السؤال الشاق الأول , الى أي من هذة النساء أنتمي ؟
هل ذاك فرض أم إختيار؟
وليس السؤال كم ستحجب من وجهها أو من جسدها بل كم ستحجب من ذاتها من كيانها كأنسانة وكامرأة ودورها كمواطنة في هذا البلد
وقد لاتتساءل هي ففي حضارة اليقينيات تنحسر كل الاسئلة وتبتلع الارادة الذاتية في هيمنة التيار السائد لتنجرف معة حتى تصبح المرأة نفسها من صانعي الاجحاف بحق ذاتها
قبل اسبوع سمعنا ثانية عن حوادث تحرش جنسي في أيام العيد ودائما وتلقائيا نثور ونغضب ونستفز ونصف هؤلاء الشباب المعتدين بالوحوش ,وهذا طبيعي , انما أنا لا أستطيع الا ان أراهم ضحية فلا يمكن أن نفصل سلوكهم عن السلوك العشوائي لهذا المجتمع , حيث المنظومة الاجتماعية والسياسية برمتها قد تهاوت وانهارت وتشرذمت ومسخت فولدت أمساخ على شاكلتها , هؤلاء هم أبناء مصر المشوهين
لم تنهار صخور الدويقة وعمارات الاسكندرية ولم تغرق العبارات وتحترق المصانع والمسارح والقطارات فحسب , بل إن مصر كلها قد أصبحت على شفير الهاوية
وأعود لطلعت حرب , فأمام واجهة أحد محلات ال م م الفاخرة حيث خلا المكان من المتسوقين لغلو الأسعار رأيت منظرا استوقفني وجمدني , كان ما بدا لي كجثة صغيرة تكورت داخل كيس من الخيش ولم يبدو منها سوى فروة الرأس , توقف بعض المارة معي وحبست أنا أنفاسي الى أن رأيتة يتحرك , وسرعانا ما أدركت أنة أحد أطفال الشوراع فمضيت مثلما مضى بقية المارة , مثلما نمضي بسلام أمام كل ما هو قاهر ومجحف وظالم حولنا
المهم أنني تذكرت هذة الحادثة عندما ذهبت قبل بضعة أسابيع برفقة طاقمي العمل لافطار رمضاني في وسط البلد وكنا قد ذهبنا بعد الافطار لنحتسي القهوة والشاي في احد المقاهي بجانب القهوة الخضراء في شارع المشاة ما بين صبري أبو علم وقصر النيل
غالبا ما أمر في هذة المنطقة ودائما ألاحظهم هناك ولكن في ذاك اليوم أذهلني وأرعبني وهزني حضورهم السائد , ربما لأن الوقت كان لا يزال بعد الافطار ولم تمتلئ الشوارع والمقاهي بعد فهيمنوا هم على المكان , إنهم أطفال الشوارع
جلست أحتسي قهوتي ووجدتهم يحاصرونني من جميع الجهات , منهم من يبيع بعض المستهلكات الرخيصة ومنهم من يشحذ, أي حاجة والنبي يا أبلة حتى لو ربع جنية , على سور حديقة مجاورة للمقهى جلست طفلتان لا تتجاوزان السادسة بوجوة مغبرة وملابس رثة وشعر طويل أشعث , إحداهما كانت ربما أكبر قليلا في السن والجسد من الأخرى , فأخذت تعبث بشعرها ثم أوقعتها على الأرض وسحلتها وألقت نفسها فوقها فأخذت الصغيرة تبكي ولا أحد يسمعها ,يا الهي أي شياطين تسكن هؤلاء الصغار ؟وأي لامبلاة , أي بلادة تسكننا نحن الكبار
طفل في الرابعة كان يبيع جوارب نسائية صينية , اقترب مني واختار لي جوربا منسوجا من خيوط فضية وذهبية ومدة الي , عيونة الكبيرة الخضراء المتوجة برموش كثيفة طويلة سوداء تطغي على وجهة وتسلبك الية , حدقت بة طويلا وسرحت في كيس الخيش , ومن ثم رأيتها هي , لم تتجاوز السنتين ونصف , بائعة الكلينكس ,وقفت تحدق بي فابتسمت لها , شعرها قصير لم ينمو جيدا بعد , لم أستطع أن أميز إن كانت بنت أو ولد سمعتني أسأل زميلي إن كان هو يميز , فأتت لتأكد لي أنها بنت واسمها على , بالكاد فهمنا كلامها أنا وزميلي , اتخذت لها مقعدا بجانبي بصعوبة اعتلتة وانطلقت تحدثني بأبجديتها البدائية المكسرة التي لم أفقة منها شيئا , نظرت حولي أبحث لها عن إخوة عن أهل كان الجميع غافل عنها
أصغيت اليها جيدا أحاول أن أفك طلاسم كلامها بدون جدوى , أخذت منها كيس الكلينكس وأعطيتها بعض جنيهات فرحت بها وانزلقت بجسدها الضئيل عن الكرسي وتركتني الى حيث لا أدري
كم كانوا؟, لم أحصي ربما عشرات , ,إنما في مصر كلها يقدر عددهم بالمليون
قد يثيرون شفقتنا وقد نمن عليهم بابتسامة أو بعض جنيهات نشحذ بها راحة لضمائرنا, وقد نلقي اليهم بما تبقى على موائدنا من فتات وأحيانا قد نشمئز ونقرف منهم بل وقد نلومهم على تشوية المشهد العام وتعكير صفونا النفسي , وأحيانا قد نكتفي بأن نكشهم عنا كالذباب
وما نثير نحن فيهم سوى الأحقاد ؟
من أين يأتون وأين ينامون لا نعرف وأحيانا كثيرة قد نتساءل إن كان لديهم أهل أو سقف يأويهم أو رغيف عيش يسدون بة رمقهم , لكننا أبدا لا نتساءل إن كان هنالك من يغسل عنهم غبار اليوم بشامبو معطر وحمام دافئ ويأخذهم الى السرير للنوم ويدثرهم ببطانية زاهية الألوان ويهلل لهم تهليلة أطفال ويروي لهم أساطير وحكايات ويوقظهم صباحا بحضن وقبلة ويعد لهم كوب شوكولاتة ساخنة وزوادة مدرسية ويسرح شعرهم ويعقص ضفائرهم ويشتري لهم فلة أو باربي أو سوبرمان أو دفتر رسم وألوان
لأنهم جيل ينمو بدون طفولة , جيل لا يعرف قصص الجميلة النائمة والأقزام السبعة وسندريللا وليلى الحمراء , جيل لا يعرف سوى الشوارع وقصص الشوارع وأخلاقيات الشوارع
انهم مجتمع جديد ينمو في مصر , بداخلنا انما بمنعزل عنا , لنا دنيانا ولهم دنياهم , لنا عالمنا ولهم غابهم وسلوكياتهم وقوانينهم
وذات يوم لن يعودوا أطفال وأحقادهم التي ما زالت في براعمها ستنمو أشواكا في أرض هذا المجتمع وإن كانوا الأن يملؤون الشوارع بضحكاتهم الطفولية فسيأتي اليوم الذي ستتوحش فية مخالبهم وتجتاح دنيانا وتنهش فينا جميعا
هل ذاك فرض أم إختيار؟
وليس السؤال كم ستحجب من وجهها أو من جسدها بل كم ستحجب من ذاتها من كيانها كأنسانة وكامرأة ودورها كمواطنة في هذا البلد
وقد لاتتساءل هي ففي حضارة اليقينيات تنحسر كل الاسئلة وتبتلع الارادة الذاتية في هيمنة التيار السائد لتنجرف معة حتى تصبح المرأة نفسها من صانعي الاجحاف بحق ذاتها
قبل اسبوع سمعنا ثانية عن حوادث تحرش جنسي في أيام العيد ودائما وتلقائيا نثور ونغضب ونستفز ونصف هؤلاء الشباب المعتدين بالوحوش ,وهذا طبيعي , انما أنا لا أستطيع الا ان أراهم ضحية فلا يمكن أن نفصل سلوكهم عن السلوك العشوائي لهذا المجتمع , حيث المنظومة الاجتماعية والسياسية برمتها قد تهاوت وانهارت وتشرذمت ومسخت فولدت أمساخ على شاكلتها , هؤلاء هم أبناء مصر المشوهين
لم تنهار صخور الدويقة وعمارات الاسكندرية ولم تغرق العبارات وتحترق المصانع والمسارح والقطارات فحسب , بل إن مصر كلها قد أصبحت على شفير الهاوية
وأعود لطلعت حرب , فأمام واجهة أحد محلات ال م م الفاخرة حيث خلا المكان من المتسوقين لغلو الأسعار رأيت منظرا استوقفني وجمدني , كان ما بدا لي كجثة صغيرة تكورت داخل كيس من الخيش ولم يبدو منها سوى فروة الرأس , توقف بعض المارة معي وحبست أنا أنفاسي الى أن رأيتة يتحرك , وسرعانا ما أدركت أنة أحد أطفال الشوراع فمضيت مثلما مضى بقية المارة , مثلما نمضي بسلام أمام كل ما هو قاهر ومجحف وظالم حولنا
المهم أنني تذكرت هذة الحادثة عندما ذهبت قبل بضعة أسابيع برفقة طاقمي العمل لافطار رمضاني في وسط البلد وكنا قد ذهبنا بعد الافطار لنحتسي القهوة والشاي في احد المقاهي بجانب القهوة الخضراء في شارع المشاة ما بين صبري أبو علم وقصر النيل
غالبا ما أمر في هذة المنطقة ودائما ألاحظهم هناك ولكن في ذاك اليوم أذهلني وأرعبني وهزني حضورهم السائد , ربما لأن الوقت كان لا يزال بعد الافطار ولم تمتلئ الشوارع والمقاهي بعد فهيمنوا هم على المكان , إنهم أطفال الشوارع
جلست أحتسي قهوتي ووجدتهم يحاصرونني من جميع الجهات , منهم من يبيع بعض المستهلكات الرخيصة ومنهم من يشحذ, أي حاجة والنبي يا أبلة حتى لو ربع جنية , على سور حديقة مجاورة للمقهى جلست طفلتان لا تتجاوزان السادسة بوجوة مغبرة وملابس رثة وشعر طويل أشعث , إحداهما كانت ربما أكبر قليلا في السن والجسد من الأخرى , فأخذت تعبث بشعرها ثم أوقعتها على الأرض وسحلتها وألقت نفسها فوقها فأخذت الصغيرة تبكي ولا أحد يسمعها ,يا الهي أي شياطين تسكن هؤلاء الصغار ؟وأي لامبلاة , أي بلادة تسكننا نحن الكبار
طفل في الرابعة كان يبيع جوارب نسائية صينية , اقترب مني واختار لي جوربا منسوجا من خيوط فضية وذهبية ومدة الي , عيونة الكبيرة الخضراء المتوجة برموش كثيفة طويلة سوداء تطغي على وجهة وتسلبك الية , حدقت بة طويلا وسرحت في كيس الخيش , ومن ثم رأيتها هي , لم تتجاوز السنتين ونصف , بائعة الكلينكس ,وقفت تحدق بي فابتسمت لها , شعرها قصير لم ينمو جيدا بعد , لم أستطع أن أميز إن كانت بنت أو ولد سمعتني أسأل زميلي إن كان هو يميز , فأتت لتأكد لي أنها بنت واسمها على , بالكاد فهمنا كلامها أنا وزميلي , اتخذت لها مقعدا بجانبي بصعوبة اعتلتة وانطلقت تحدثني بأبجديتها البدائية المكسرة التي لم أفقة منها شيئا , نظرت حولي أبحث لها عن إخوة عن أهل كان الجميع غافل عنها
أصغيت اليها جيدا أحاول أن أفك طلاسم كلامها بدون جدوى , أخذت منها كيس الكلينكس وأعطيتها بعض جنيهات فرحت بها وانزلقت بجسدها الضئيل عن الكرسي وتركتني الى حيث لا أدري
كم كانوا؟, لم أحصي ربما عشرات , ,إنما في مصر كلها يقدر عددهم بالمليون
قد يثيرون شفقتنا وقد نمن عليهم بابتسامة أو بعض جنيهات نشحذ بها راحة لضمائرنا, وقد نلقي اليهم بما تبقى على موائدنا من فتات وأحيانا قد نشمئز ونقرف منهم بل وقد نلومهم على تشوية المشهد العام وتعكير صفونا النفسي , وأحيانا قد نكتفي بأن نكشهم عنا كالذباب
وما نثير نحن فيهم سوى الأحقاد ؟
من أين يأتون وأين ينامون لا نعرف وأحيانا كثيرة قد نتساءل إن كان لديهم أهل أو سقف يأويهم أو رغيف عيش يسدون بة رمقهم , لكننا أبدا لا نتساءل إن كان هنالك من يغسل عنهم غبار اليوم بشامبو معطر وحمام دافئ ويأخذهم الى السرير للنوم ويدثرهم ببطانية زاهية الألوان ويهلل لهم تهليلة أطفال ويروي لهم أساطير وحكايات ويوقظهم صباحا بحضن وقبلة ويعد لهم كوب شوكولاتة ساخنة وزوادة مدرسية ويسرح شعرهم ويعقص ضفائرهم ويشتري لهم فلة أو باربي أو سوبرمان أو دفتر رسم وألوان
لأنهم جيل ينمو بدون طفولة , جيل لا يعرف قصص الجميلة النائمة والأقزام السبعة وسندريللا وليلى الحمراء , جيل لا يعرف سوى الشوارع وقصص الشوارع وأخلاقيات الشوارع
انهم مجتمع جديد ينمو في مصر , بداخلنا انما بمنعزل عنا , لنا دنيانا ولهم دنياهم , لنا عالمنا ولهم غابهم وسلوكياتهم وقوانينهم
وذات يوم لن يعودوا أطفال وأحقادهم التي ما زالت في براعمها ستنمو أشواكا في أرض هذا المجتمع وإن كانوا الأن يملؤون الشوارع بضحكاتهم الطفولية فسيأتي اليوم الذي ستتوحش فية مخالبهم وتجتاح دنيانا وتنهش فينا جميعا

2 Comments:
عشتار
كم أفتقدك وأفتقد حرارة قلبك حين تتكلمين عن ما يتعامي عنه الكثيرين
طوال رمضان وأنا أفكر هل الحل في بنك الطعام؟؟ يوفر لهم الطعام حتي باب المنزل فتزيد سلبيتهم ... هذه الكتيبة التي رأيتها في وسط البلد وعندنا مثلها في وسط البلد وسيدي جابر وغيرها من المناطق الرائجة الحركه لهم أم تجلس من بعيد تجمع العائد أولا بأول ..وهي حتي وهي مشغوله تراهم وتتابعهم وهي عادة حامل بعامل جديد ليساعد الفريق في أقرب فرصة... وهم يتابعون بعضهم أيضا فلا تقلقي علي الفتاه
من فتره كنت حينما أخرج مع عائلتي من حفلات السينما المتأخرة في وسط البلد كنت أراهم وقد أنتهي الدوام يقفون أمام محلات الشاورمه المأكولات الجاهزة يتعشون ومعهم الأمهات ... وكنت أتعجب ... يمدون أيديهم ليس من أجل الحاجه بل من أجل الرفاهية
لن أطيل أكثير في قصة الأطفال
.. ولكن الكارثة في الكبار الذين يقفون لبيع المناديل أو الشحاته بدلا من الإنتاج بأي صورة أو الخدمة في البيوت بشرف وأمانة بدلا من بهدلة الطريق
هذا الموضوع مستفز وموجع أكثر منه جالبا للتعاطف
ولا أعتقد أن له حل مهما حاولنا المساعده.. لأن ضيق الحال قد طال الكثيرين
بسمة العزيزة
اذا كتبت فهذا يعني أني اشتقت للتواصل معكم
ليس لدينا حلول فأينما وليت وجهك في هذا البلد كل شيء في حالة انهيار وكل الاشياء اختلطت ببعضها في شبكة بات عصيا علينا الامساك بأطرافها
مهما أتيت بحلول لهؤلاء الأطفال , مأوى أو ملجأ أو بنك طعام فهذة الأرض ما زالت حبلى بألاف غيرهم
بالنسبة للمتسولين الكبار يا عزيزتي فنحن دائما نتسائل عن مسؤولية الفرد فيما ألت الية مصر
سلام
Post a Comment
Links to this post:
Create a Link
<< Home