Wednesday, October 29, 2008

معجزة للفرح

مسكون أبي بأرضة , وفي نكستة الصحية أصبحت بالنسبة لة رمزا للحياة ولاستمراريتها , وأحيانا أشعرة وكأنة يشحذ من جسدة ومن الأطباء ومن اللة وقتا إضافيا للحياة ليحيي في حاكورتة المزيد من الأشجار والثمار
إنها فرحة وحزنة , أملة ويأسة وهو يكرة مرضة لأنة يبعدة عنها , عندما شخصت حالتة لأول مرة وفي أول مواجهة لة مع الطبيب , كان أول سؤال تساءلة متى سأستطيع العودة للاعتناء بأرضي , وكأنة أم خائفة على أبنائها من اليتم
كل صباح عندما أصل مكتبي أبدأ يومي بفنجان قهوة وحديث هاتفي معة ,فلو جاء صوتة مكتئبا أعرف حالا أنة لم يستطع النزول الى الحاكورة وإن كان مبتهجا أعرف أنة ابتدأ فجرة بين الزيتونات
لم يعتل أبي مقود السيارة منذ مرضة وفي المرة الوحيدة التي شعر بها أنة قادر على القيادة ذهب لشراء شتلة زيتون ليزرعها
قبل أسبوعين سافرت الى أهلي , أول ما وصلت البيت , قال لي ليتك أقدمت المجيء فقد قطف الأحفاد محصول الزيتون , كانت لحظة من العمر
قالت لي أمي لاحقا انة راقبهم من الشباك ولم يستطع الانضمام اليهم
لحصاد الزيتون في فلسطين طقوس وشعائر وأهازيج ,وبعض القرى تأخذ أجازة جماعية من العمل والمدارس للتفرغ لة , إنة عرس فلسطيني
يشتاق أبي الى الحاكورة في كل لحظة ويمنعة عنها ضعفة وجسدة الواهن , أسمعة أحيانا يجلس مع الصغير طفل شقيقتي يحدثة عن كيفية الاعتناء بالاشجار , وكأنة يسلم لة وصية الأرض
والصغير ابن التاسعة يجلس مصغيا ومتابعا وشاردا ما بين ادراكة للمسؤولية التي توضع بين يدية وعجزة عن فهم ما يمر بة جدة , وعن معنى الخوف الذي يقرأة في عينية والانكسار الذي يقرأة في أعيننا جميعا
أشفق علية من حسرة الاشتياق , هل ترافقني للأرض يا أبي ؟ أمسك بساعدي وذهبنا لنتمشى في دروبها , أراني الشجيرات الجديدة التي زرعها بكل ما تبقى في ساعدية الهزيلين من قوة , سنديان وسريس وغار , ليضفي على الحاكورة طبيعة برية جبلية , هل لك أن تتخيلي كيف سيكون الربيع تساءل ببهجة ؟ وطعنني سؤالة كسكين
كيف سيكون الربيع والأطباء يقولون أنك قد ترحل قبل مجيئ الربيع يا أبي
افتعلت الفرح وداريت عيني بنظارتي الشمسية , مررنا بشجرة عبهر تحمل ثمارا كروية صفراء, نبتت على حافة إحدى السناسل , حدثني أن الشجرة نبتت لوحدها من زبل الماعز الذي يستخدمة لتسميد الأرض ويبدو أن الثمرة التي يقتاتها الماعز فيها القليل من السم مع أنها تبدو شهية مغوية , وفي صغرة كان يذهب مع جدي لصيد السمك في جدول صغير يجري في أراضي الجلمة واعتاد الناس أن يطحنوا ثمار العبهر ويلقونها في الجدول فتدوخ منها الاسماك وتطفو على سطح الماء , والجلمة هي أرض سهلية تحاذي جبال الكرمل من الشمال وكان لأهل قريتي الكثير من الأراضي الزراعية هناك ,يصلون اليها بعد مسافات شاقة عبر الجبال والدروب الوعرية مشيا على الأقدام أو على الدواب , لكن أحدا لم يعد يذكر العبهر والوادي والاسماك فالجلمة تعيش في الوعي الفلسطيني الأن بسبب سجنها الذي يأسر بين أسوارة الكثير من المعتقلين السياسيين
كانت نتائج الفحص الطبي الأخير الذي أجراة ابي صادمة جدا لنا جميعا , هل نحن على شفير النهاية؟ انقسم اخوتي ما بين اليأس الشديد والانكار
أما أنا فعدت للاستغاثة بالجوجل فبعد فشل الطب في علاجة , أخذت أبحث في مواقع للعلاج البديل , أجريت اتصالات مع منظمات طبية عالمية ومؤسسات أبحاث أمريكية وأوروبية وصينية ودخلت في منتديات لناس يعانون من هذا المرض , أبحث لأبي عن معجزة تبقية معنا حتى الربيع وما بعد الربيع
وإذ أرهقت من النيت إكتفيت بالانعزال وممارسة حزني , فقط أنا ونفسي , أبتدأ كتابا وأضجر , أعجز عن التركيز وأتهم الكاتب بالملل فألقية في أي ركن منتقلة لأخر ,حتى هجرت الكتب كلها ويأست إسطواناتي الموسيقية من إهمالي لها فتدثرت بالغبار والصمت , وأصبحت خرساء شقتي
استطعت أخيرا من التوصل الى طبيبة صينية أعطتني نوعا من الأمل , يقول البعض أنني أوهم نفسي فليكن سأعتلي أوهامي ولا يهم كم سيكون سقوطي مدويا , انا لا أتحصن بالوهم إراحة لنفسي , بل لأنني لم أعد قادرة على التعايش مع ابتسامات الطمآنينة الكاذبة التي أعطيها لأبي , أنا أريد أن ابتسم لة بصدق لكي أعفية من شفقتي علية , ولو أنني في داخل داخلي في ذاك الركن البعيد الذي ألقيت الية بالحقيقة الصادمة أعرف أنني أكذب على نفسي
صحوت يوم الجمعة الماضي , يوم عطلتي الأسبوعية وأنا أشعر بوهن شديد في جسدي , نظرت الى مرآتي وهالني منظري الذاوي فتوقفت أمام نفسي طويلا
كنت قد إلتقيت بأحد أصدقائي قبل ذلك بأيام فوجدتة هو الاخر في حالة شديدة من اليأس والعزلة , إنني أبحث عن معجزة للفرح قال لي وإذ كان هو صامتا انطلقت أنا في مونولوج لا أدري كم سمع منة في شرودة الذهني , أتساءل عن معنى السعادة وعن إن كانت الحياة قد بخلت علي أم أنني أنا التي اطلب منها الكثير , وعن الغربة والإغتراب والتية والتشتت والبحث عن الأمان وعن أصدقائي المصريين وكأبتهم المعدية وعن فلسطين ومصر التي إنزلقت من تحت أقدام ابنائها فاغتربوا هم بدورهم في أرضهم, وعن مرض أبي وكأبتي وحزني وأمالي و أوهامي ويأسي وعن ألام أبي وألام أمي وألامي , عن معنى الألم في حياتنا , من أين يأتي ولماذا يأتي , لماذا يختارنا دون الأخرين , أم أننا نحن الذين نختارة وهل باستطاعتنا التعايش والفرح معة بدون أن نهرب إلى تأمل كالصلاة أو نلجأ الى شفيع كالأنبياء والقديسين , الى طريقة لشيخ صوفي أو الى ملجأ كاللة, وهل قدر لأحد أن يعيش بدون حزن وكيف يكون طعم الحياة بدون ألم
وعن رحلتي اللامنتهية في مكامن ذاتي , وعن رحلتي مع الدنيا التي وصلت بها إلى حيث أنا الأن وحيدة ومسكونة بهوّ عاطفي وفراغ أمومي
وعن المرأة التي أصبحتها وعن إن كنت أنا التي صممت سيناريو حياتي أم أنني شخصية قدرية من تصميم ذاك السيناريو وإن كنت عدت إلى الوراء فهل كنت سأختار شريط أخر لحياتي ولو كان قدر لرحلة حياتي أن تعبر في المسارات التي حلمتها في طفولتي أو مراهقتي وشبابي , فهل كنت سأصل الى أعمق غياهب نفسي , هل كنت سأكون أنا هي أنا ؟ هذة المرأة التي هي أنا الأن؟ أم أخرى أجهلها و تجهلني, ولو لم أكن قد أصبحت ما أنا , لاعتبرت ذلك خسارة لي لانني أحب ما أنا علية وأحب ما وجدتة في روحي ,فربما برغم كل شيئ كنت سأختار نفس ذاك الشريط الصاخب والمرتعش والمبعثر
المهم أنني في ذاك الصباح عندما صحوت واهنة وقفت أمام مرآتي وعاودتني أسئلتي الوجودية , مكررة جملة صديقي , أبحث عن معجزة للفرح , لكنني إذ شعرت بتخاذل جسدي وإذ نظرت الى وجهي المكفهر وجدتني ألخص كل الأسئلة بسؤال واحد , ما الذي أفعلة بنفسي؟
لقد أرهقتني يا أنا , شعرت أنني أظلم نفسي , أسجنها أسيرة متاهاتي , وأتوة أنا عن دنياي وحياتي , لم تحصل معجزة لكنني ولسبب أجهلة أعيش الأن في حالة من الصفاء الذهني وكأن رأسي فرغت من جميع تساؤلاتي , لا أنتظر معجزة للفرح بل وكففت عن البحث عنة
في ذاك اليوم أخرجت اسطواناتي التي أحبها ودندنت معها ورقصت معها وطبخت أكلة شهية أحبها ودعوت إحدى صديقاتي للغذاء وإخترت ملابسا بألوان فاقعة وخرجت ليلا مع أصدقائي واحتسيت البيرة وكان بامكاني أن أضحك بل وأن اقهقة في الضحك
وفي الطريق الى عملي بانت لي القاهرة جميلة بازدحامها وعشوائياتها وحتى بالزبالة في شوارعها , وأصبحت أفتح باب مكتبي الذي اعتدت إغلاقة في الاسابيع الماضية وتمكنت من التركيز في عملي والمضي في حل كل المشاكل التي ركنتها وتكاسلت عن مواجهتها وعدت لاحياء الضجيج في ادارتي وبعث الحماس من جديد في فريقي العمل ومشاركة زملائي في الغذاء اليومي من الفول والطعمية والمش والفطير بالسجق والجبنة البيضاء والجبنة الرومي والقشطة والمربى والعسل
ورجعت لكتابتي واستطعت أن اكتب ما كتبتة عن أبي بدون أن أبكي

6 Comments:

Blogger مدخن عربي said...

سررت بقراءة جديدك، وأنك في النهاية أشعلت الفرح بقلبك من جديد، آمل أن تدوم هذه الحال طويلاً وأن يكون الأمل رفيقك :)

تحياتي

10/30/2008 04:50:00 AM  
Blogger عشتار said...

مدخن عربي
وأنا سررت بالعودة اليكم وبزيارتك الأولى
أهلا بك واتمنى لقاءك في تدويناتي القادمة
سلامات

10/30/2008 12:21:00 PM  
Blogger lastknight said...

فخور أنا بصداقتى لأبنة هذا الرجل الأصيل .. المرتبطه حياته بأرضه و عمل يده حتى النهايه ... أبوك يذكرنى بالمحاربين القدماء الذين كان جل أمنياتهم فى الحياه هى أن تأتى لحظة النهايه و هم ممسكون بسيوفهم .. هذا الرجل يسعى لأن تنتهى حياته واقفا فى أرضه ( حاكورته ) و تكون آخر قطرة عرق تسيل من جبينه ريا لزيتوناته .. هذا الرجل لا يخشى الموت سيدتى .. هو يخشى أن ينتهى فى فراشه بعد رحلة حياه طويله ارتبط فيها بأرضه ارتباطه بأولاده و أحفاده بل أكثر
متأكد أن شفيق سيستوعب الدرس من جده يوما ما .. و وسيكون رجلا فلسطينيا الأرض عنده كالعرض و أكثر .. يحيا لها .. و يموت فيها
البحث عن معجزات للفرح ؟ أظنها صارت تيمه عامه فى حياتنا المعاصره .. أما حالة التوازن الرائع التى تعيدك لأيقاعك المحبب مره أخرى فى عملك و بين زملائك .. فألمح شجاعه بالغع بداخلك و أن كنت دوما توارينها
سلامى و احترامى للفلسطينى الشجاع العاشك لحاكورته .. سلامى و حبى لأرض الزيتونات .. و طقوس حصادها و عصرها .. حبى و تقديرى لكل ماهو فعلا فلسطينى جدا

10/30/2008 02:32:00 PM  
Blogger عشتار said...

وسلامي لك يا صديقي الفارس العزيز

وقد يكون رغم شجاعتة يخشى الموت لانة سيقتلعة من جذورة ومن دفء احباءة الى تلك العزلة الباردة
وربما رغم شجاعتى اكتب ما اكتب واجدني ادعو للفرح خشية التفكير بتلك اللحظة
تحياتي

11/01/2008 01:25:00 PM  
Blogger المنفي said...

قرأتك فقلت
يشرب الفلسطيني البيرة وزيت الزيتون
لذا يتناقض هو بين اللهو والقداسة
وذلك ما يفسر ولعه بالشتات

شكرا عشتار
امر كثيرا دون ان اترك اثر
وها انا فعلت

11/05/2008 12:11:00 AM  
Blogger عشتار said...

المنفي

وذلك ما يفسر ولعه بالشتات."
..."

وأنا قرأت ذلك وقلت , هل الشتات هو قدري كفلسطينية أم أنني أنا التي اخترتة وولعت بة

من أكثر الأشياء التي تفرحني هو عندما أدخل مدونتي وأجد فيها أثار زائرين ويفرحني أكثر اليوم أنني وجدت بصمة من روح غزة

تحيات

11/05/2008 10:24:00 AM  

Post a Comment

Links to this post:

Create a Link

<< Home